صراع العملة في عدن: من يربح عندما يخسر المواطن؟

في أحد محلات الملابس في مدينة عدن، يقف أب حائراً أمام محل لبيع ملابس الأطفال. يحمل في يده 41 ألف ريال يمني، قيمة 100 ريال سعودي صرفها بشق الأنفس بعد طوابير طويلة. كان يحلم بشراء "كسوة العيد" لابنه الصغير، لكنه صُدم بأن المبلغ الذي كان يكفي العام الماضي لشرائها كاملة، لا يكاد يغطي اليوم جزءاً منها بعد أن تجاوزت الأسعار أضعاف ما كانت عليه.

هذا المشهد يتكرر يومياً في عدن، في مفارقة اقتصادية عجيبة:
100 الريال السعودي انخفض من 78 ألف ريال يمني إلى 41 ألف ريال يمني، أي أن الريال اليمني تحسنت قيمته نظرياً، لكن معاناة المواطن ازدادت، والأسعار ارتفعت بدلاً من أن تنخفض.

المعادلة المعكوسة: تحسن العملة... وانهيار المعيشة

قبل عام (رمضان 2025):
كان المواطن في عدن يستطيع بـ 100 ريال سعودي (تعادل 78.000 ريال يمني) أن يشتري احتياجات العيد كاملة:

· معوز: 40.000 ريال
· قميص: 12.000 ريال
· قطرة (كشيدة): 10.000 ريال
· المجموع للملابس: 62.000 ريال
· المتبقي: 16.000 ريال يشتري به حذاء (صندل) للأطفال
· الإجمالي الكامل للبدلة المتكاملة مع الحذاء: 78.000 ريال
· كان يكفي 100 ريال سعودي لشراء بدلة عيد متكاملة!

اليوم (رمضان 2026):
بعد أن انخفض سعر صرف الريال السعودي إلى 41 ريال يمني، فإن نفس الـ 100 ريال سعودي أصبحت قيمتها 41.000 ريال يمني فقط، بينما أسعار الملابس ارتفعت بشكل جنوني:

· معوز: 54.000 ريال (زيادة 14.000)
· قميص: 16.000 ريال (زيادة 4.000)
· قطرة (كشيدة): 12.000 ريال (زيادة 2.000)
· الحذاء (صندل)  28.000 ريال

· الإجمالي الكامل للبدلة المتكاملة: 110.000 ريال

الفارق الكارثي:

المواطن يحتاج اليوم إلى 110.000 ريال يمني لشراء ما كان يشتريه قبل عام بـ 78.000 ريال.
بمعنى آخر، أصبح يحتاج إلى 268 ريالاً سعودياً (110.000ريال يمني)
268 ريالاً سعودياً ×  41.000 ريال يمني = 10.988.000) ليشتري نفس البضاعة التي كانت تكفيه 100 ريال سعودي فقط في العام الماضي!

الخلاصة: القوة الشرائية للمواطن تراجعت بأكثر من 60%، فالمواطن الذي كان يكفيه 100 ريال سعودي أصبح يحتاج إلى 268 ريالاً سعودياً لشراء نفس البضاعة، أي أنه يدفع 168 ريالاً سعودياً إضافية من جيب المواطن المنهك. (أكثر من قيمة المبلغ الأصلي نفسه!).

من المستفيد الحقيقي من هذه اللعبة؟

التحليلات الاقتصادية تشير إلى أن المستفيدين الأساسيين من هذه المفارقة هم طرفان رئيسيان:

1. كبار الصرافين: مهندسو الأزمة

تقارير اقتصادية حديثة تكشف أن ما يحدث في عدن هو "لعبة مضاربة منظمة" على حساب المواطنين. ففي الفترة الأخيرة، شهد سوق الصرف في عدن تقلبات حادة دفع المواطنين لبيع عملاتهم الأجنبية بأسعار متدنية، قبل أن يعاود السعر ارتفاعه لاحقاً لصالح المضاربين.

كيف يفعلونها؟

· خلق أزمة سيولة مفتعلة: يقوم كبار الصرافين بسحب العملة المحلية (الريال اليمني) من السوق وتخزينها في خزائنهم. هذه الندرة المصطنعة هي التي تخلق أزمة السيولة الحقيقية التي يعاني منها المواطنون يومياً. لهذا السبب تجد أن محلات الصرافة ترفض تحويل مبالغ كبيرة، وتحدد سقفاً لا يتجاوز 100- 200 ريال سعودي للفرد يومياً، بحجة "لا يوجد سيولة بالريال اليمني".

· المضاربة على العملة: هؤلاء الصرافون اشتروا الريال اليمني بأسعار منخفضة جداً (عندما كان الريال السعودي = 78 والدولار بـ 2800 ريال يمني). واليوم، بعد أن تسببوا في ندرته وارتفاع قيمته، يبيعونه للمواطنين والمستوردين بأسعار مرتفعة، محققين أرباحاً خيالية من فرق السعر.

· التحكم المزدوج: هم من يحددون سعر الصرف صباحاً ومساءً وفق مصلحتهم، وهم من يتحكمون بتدفق العملة إلى السوق. بهذه الطريقة، يضمنون أن يكون سعر الشراء (عندما يشتري المواطن الريال السعودي) وسعر البيع (عندما يبيعون الريال اليمني) دائماً في صالحهم.

2. كبار المستوردين والتجار: المستفيد الأكبر

وهنا تكمن الإجابة الحقيقية على سؤال: لماذا لم تنخفض الأسعار بينما انخفضت العملة الأجنبية؟

الاحتكار وهشاشة السوق

السوق اليمني يعاني من هيكل شبه احتكاري، حيث يتحكم عدد محدود جداً من المستوردين بالسلع الأساسية من غذاء وملابس. في غياب المنافسة الحقيقية، لا يوجد ضغط على هؤلاء التجار لخفض الأسعار. هم يستوردون البضائع اليوم بالريال السعودي الذي انخفض سعره، لكنهم يبيعونها للمواطن بالريال اليمني بأسعار العام الماضي أو أعلى.

فجوة المخزون: قد يتحجج البعض بمخزون سابق، لكن استمرار الغلاء لأشهر يثبت أن الفارق الهائل بين التكلفة وسعر البيع يذهب مباشرة إلى جيوب المحتكرين.

الربح المزدوج

المستورد يربح مرتين:

· مرة عندما يشتري البضاعة من الخارج بعملة رخيصة (الريال السعودي منخفض السعر)

· ومرة عندما يبيعها في السوق المحلية بأسعار مرتفعة لم تنخفض

الفارق الهائل بين التكلفة الحقيقية للبضاعة وسعر بيعها يذهب بالكامل إلى جيبه.

الأرقام تثبت ذلك:

· قبل عام: 100 ريال سعودي = بدلة للعيد كاملة

· اليوم: 268 ريال سعودي = نفس البضاعة

· الفارق: 168 ريالاً سعودياً إضافياً من جيب المواطن إلى جيب التاجر والصراف

غياب الرقابة

مع ضعف أو انعدام الرقابة الحكومية على الأسواق، يستمر هؤلاء التجار في فرض أسعارهم دون أي مساءلة. لا توجد آليات لحماية المستهلك أو محاسبة المحتكرين.

الخاسر الأكبر: المغترب والعسكري والمواطن العادي

في هذه المعادلة الظالمة، هناك أطراف يدفعون الثمن غالياً:

المغتربون

المغترب اليمني الذي يعمل في السعودية أو دول الخليج كان يرسل أمواله لعائلته في المحافظات المحررة هو الخاسر الأكبر. قبل عام، كان يحول 500 ريال سعودي فتصبح 390.000 ريال يمني (500 × 780)، تكفي عائلته.

اليوم، نفس الـ المبلغ 500 ريال سعودي لا تتجاوز 205.000 ريال يمني (500 × 410)، أي أقل من النصف بمقدار 185.000ريال يخسرها المغترب! ولكي يحافظ على نفس القوة الشرائية لعائلته، كان عليه أن يحول قبل عام 500 ريال، أما اليوم فيحتاج إلى تحويل 950 ريالاً سعودياً (950 × 41 = 38.950) 

العسكريون والموظفون

من يتقاضى راتبه بالريال اليمني، يجد أن قيمته تحسنت قليلاً على الورق، لكنه لا يستطيع شراء ما كان يشتريه سابقاً. الراتب الذي كان 100 ألف ريال يمني، كان يعادل قبل عام 1.282 ريالاً سعودياً تقريباً. (1.282 × 78 =  99.996 ريال يمني)

اليوم، نفس الراتب يعادل 2.439 ريالاً سعودياً. (2.439 × 41 = 99.999 ريال يمني). ولكن لأن الأسعار لم تنخفض بل ارتفعت!!

فإن الموظف يجد أن ما كان يشتريه بـ 100 ريال سعودي قبل عام، يحتاج اليوم إلى 2.439 ريالاً، أي أن راتبه بالريال اليمني لم يعد يكفي لشراء نفس الكمية من السلع.

من المسؤول؟

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: من المسؤول عن هذه الفوضى الاقتصادية؟

المسؤولية تتوزع على عدة جهات:

1. السلطة المحلية في عدن: الغائبة تماماً عن الرقابة الفعلية على الأسواق ومحاسبة المحتكرين. مطالبة بفرض رقابة صارمة على الأسواق ومحاسبة المحتكرين.

2. البنك المركزي في عدن: ورغم حظر تحويل العملات الأجنبية إلى الخارج دون تغييرها أولاً إلى العملة المحلية، إلا أن هذه السياسة لم تنجح في كسر الاحتكار، بل ربما زادت الطلب على الريال اليمني وساعدت في ارتفاع قيمته دون أن يستفيد المواطن. المطالب بضبط سوق الصرف وكسر شوكة المضاربين وتوفير السيولة.

3. الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي بشكل عام: فشلوا في توفير شبكة أمان اجتماعي تحمي المواطنين من تقلبات السوق وجشع التجار وكسر احتكار كبار المستوردين.

خلاصة: من يربح عندما يخسر المواطن؟

الإجابة المختصرة: تحالف المصالح بين كبار الصرافين وكبار المستوردين هو المستفيد الوحيد.

- الصرافون يربحون من المضاربة على العملة وخلق أزمات السيولة.

- المستوردون يربحون من استيراد البضائع بعملة رخيصة وبيعها بأسعار مرتفعة في سوق محتكر.

· الفارق للتاجر والصراف: أرباح استثنائية لم يدفعوا مقابلها شيئاً!!

أما المواطن العادي، والمغترب، والعسكري، فهم الخاسرون الوحيدون في هذه المعادلة. يدفعون ثمن غلاء الأسعار، ويعانون من تآكل مدخراتهم وقوتهم الشرائية، بينما تنتقل أموالهم إلى جيوب فئة قليلة تتحكم بمقدرات السوق.

خاتمة

لقد تحسنت العملة محلياً وانهار المستوى المعيشي فعلياً. تحالف المصالح بين الصراف والتاجر هو الرابح الوحيد، بينما يدفع المواطن البسيط ثمن هذه الفوضى (الفاتورة)
من قوته وقوت أطفاله. إنها مفارقة اقتصادية خطيرة:
حين تتحسن الأرقام على الورق، ويتدهور الواقع في الأسواق. رغم أن العملة الأجنبية أصبحت أرخص نظرياً.

يبقى الأمل لتصويب الأخطاء معقوداً على تحرك جاد ومسؤول من قيادة المجلس الرئاسي والحكومة الجديدة لكسر الاحتكار، ويعيد للسوق توازنها، وفرض رقابة حقيقية على الأسواق، 
ويحمي المواطن من استنزاف قدرته الشرائية وانقاذة من براثن جشع التجار قبل فوات الأوان. قبل أن تصبح بدلة العيد حلماً بعيد المنال. وحلماً مستحيلاً في مدينة كانت يوماً رمزاً للتجارة والرخاء.

القاضي أنيس صالح جمعان
28 فبراير 2026م

مقالات الكاتب