انتقادات في عدن لسائقي الباصات بسبب الكور مع اشتداد الحر
وجه مواطنون في مدينة عدن انتقادات واسعة تجاه بعض سائقي الباصات ووسائل النقل العامة، بسبب ما وصفوه با...
كتبت الأخصائية النفسية الدكتورة منى الشرجبي رسالة مؤثرة ترثي فيها رحيل القعقاع .
نص الرسالة:
إلى ولدي الذي سبقني إلى السماء
يا قعقاع...
أكتب إليك اليوم لا لأن الرسائل تصل إلى الراحلين، بل لأن الحزن حين يفيض يبحث عن ورقةٍ يسكن إليها
ولأن قلب أمك أثقلته الكلمات حتى كادت تختنق في صدرها .
منذ رحلتَ، وأنا أتعلّم شكلًا جديدًا للغياب.
كنت أظن أن الغياب هو أن يسافر الابن ثم يعود، أو أن يطول الطريق بين بيتين، أو أن يحول بيننا باب مغلق.
لكنني عرفت بعدك أن الغياب الحقيقي هو أن يبقى كل شيء في مكانه إلا أنت.
ما زالت الشمس تشرق من النافذة نفسها، وما زال المساء يهبط على البيت كما كان، وما زالت الأشياء الصغيرة تنتظر يدك؛ غير أن المكان كله يبدو كأنه فقد روحه.
يا ولدي...
حين حملتك أول مرة بين ذراعيّ، لم أكن أعلم أنني أحمل قطعة من قلبي ستغادرني يومًا وتتركني أمشي بنصف روح.
كبرتَ أمام عينيّ كالشجرة التي تعاند الرياح. كنت مختلفًا منذ طفولتك. لم تكن الأرض تتسع لأحلامك، ولا الطرق المألوفة ترضيك. كنت تبحث دائمًا عن القمم، كأن الله وضع في روحك شوقًا إلى الأماكن العالية.
كنت أتبع أخبارك بالدعاء.
كلما صعدتَ جبلًا، صعد قلبي معك.
وكلما وقفتَ على حافةٍ يخشاها الناس، كنت أنا أقف على حافة الخوف
أراقبك بعين أم تعرف أن أبناءها ليسوا معصومين من القدر، لكنها تظل تتشبث بالأمل كالغريق الذي يتمسك بخشبة نجاة.
كم قلت لك: تمهّل يا بني.
وكم أجبتني بابتسامة الواثق: لا تقلقي يا أمي.
وكنت أصدقك...
لأن الأمهات يصدقن أبناءهن حتى حين يكذب الخوف في أعماقهن.
ثم جاء ذلك اليوم.
ذلك اليوم الذي انطفأ فيه شيء من نور العالم.
جاءني الخبر كما تأتي الصواعق؛ بلا استئذان، بلا رحمة، بلا فرصة للهروب.
قالوا إنك سقطت.
وللحظة شعرت أن الأرض كلها هي التي سقطت.
كيف يسقط من اعتاد أن يهزم السقوط؟
كيف يغيب من كان حضوره يملأ الأمكنة؟
كيف يصمت صوت كنت أسمعه حتى في صمتي؟
يا قعقاع...
لم أبكِ الفوهة التي أخذتك، بل بكيت الطريق الذي لن تعود منه.
بكيت الباب الذي لن تطرقه.
بكيت المقعد الذي سيظل فارغًا.
بكيت اسمي الذي كنت تنطقه بطريقة لا يعرفها سواك.
بكيت كل الأشياء التي رحلت معك دون أن أشعر.
لكنني، وسط هذا الحزن كله، أرفع رأسي فخرًا بك.
فأنت لم تكن مجرد شاب يبحث عن شهرة عابرة، بل كنت روحًا تقاتل الحياة بطريقتها الخاصة. كنت تواجه القسوة بالشجاعة، والخوف بالإقدام، والعجز بالمحاولة.
عرفك الناس مغامرًا.
وعرفتك أنا قلبًا طيبًا لم يتأخر يومًا عن أهله.
عرفك الناس من صورك ومقاطعك.
وعرفتك أنا من دعوات الليل، ومن تعب السنين، ومن ذلك القلب الذي كان يخفي وجعه حتى لا يثقل على أحد.
يا بني...
لقد رحلت سريعًا، أسرع مما تحتمل قلوب الأمهات، لكنك تركت وراءك ما هو أبقى من العمر.
تركت سيرة.
وتركت محبة.
وتركت دموعًا صادقة في عيون أناس لم يلتقوا بك يومًا.
وهذه، يا ولدي، إحدى علامات الحياة الجميلة.
أما أنا...
فسأبقى كلما ذكرك الناس رفعت يدي إلى السماء وقلت:
اللهم إن ابني قد وصل إليك، وقد انقطعت عنه أسباب الدنيا كلها إلا رحمتك، فارحمه رحمةً تليق بكرمك، واغفر له مغفرةً تمحو بها كل خطأ، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، واجمعني به في جنات النعيم حيث لا فراق ولا وداع.
يا قعقاع...
يقولون إنك سقطت من فوهة البركان.
أما أنا فأقول:
لقد صعدتَ إلى مكانٍ أعلى من كل الجبال التي أحببتها.
رحلت عن عيني، لكنك ما زلت تسكن قلبي كما يسكن الضوء آخر نافذة في المساء.
سلام عليك يا ولدي...
يوم وُلدت، ويوم رحلت، ويوم يبعثك الله حيًا.