الفصل الثاني من: مذكرات اول صحافي يغطي حرب الحوثي على الدولة.

افترقنا عن صديقنا الشيخ الضابط في حرض، بعد أن كُلّف بمهمة في مديرية ميدي. استقللتُ سيارة هايلوكس برفقة رفيق دربي حمّادي الراجحي متجهين إلى الملاحيط، تلك المنطقة التي لم تطأها قدماي من قبل. كنت على اتصال بالزميل مبارك العنوة، أحد أنبل شباب رازح الذين عرفتهم، كنت أبحث عنه بالهاتف. مسألة اشبه بالتوهان. فالخوف من القصف وعدم معرفتي الشخصية بالرجل فأنا لم ألتقِ به وجهًا لوجه إلا عبر الهاتف. بدأت علاقتي به قبل سنوات وأنا أبحث عن معلومات لمراسل صحيفة عكاظ السعودية حول استهداف مسلحين قبليين لنقطة ترسيم حدودية بين البلدين عام 1998 تقريبًا، وظلت تلك العلاقة قائمة حتى اندلاع حرب صعدة.

ليلة الرعب الأولى 
قرابة التاسعة من ليلة الحادي والعشرين من يونيو 2004 وصلنا إلى الملاحيط، مركز مديرية الظاهر. كان المكان عبارة عن سوق أسبوعي ويزدهر بشكل يومي بأنشطة التهريب والهجرة غير المشروعة بين اليمن والسعودية. توجد فيه مطاعم صغيرة وكافيتيريات متواضعة وفنادق بسيطة والكثير الكثير من العابرين والغرباء. في تلك اللحظة، كانت صواريخ الكاتيوشا تدك جبال مرّان من محيط السوق، بينما كنت أبحث عن مبارك عبر الهاتف،  التقينا أخيرًا، وأخذني إلى إحدى الكافيتيريات، حيث صادف أن العامل هناك كان زميل دراسة منذ سنوات في معهد حرض العلمي. رحّب بنا بحرارة، ثم سألني بدهشة: "ما الذي جاء بك والدنيا مشتعلة؟" فأجبته بزهو: "أنا في مهمة صحفية مع قناة الجزيرة الفضائية. رغم ان مهمتي كانت تصوير ميداني. لم أكن مراسلا معتمدا وإنما متعاون. لكن حذري من التورط مع المخابرات والاستخبارات العسكرية والأمن جعلني احاول إيصال فكرة لكل من يسالني وكأنني مبعوث خاص الى المنطقة. كنت اقولها رغم أن الزميل مراد هاشم أوصاني مرارًا ألا إن لا أقول انني مع قناة الجزيرة حتى لا أثير شكوك السلطات حولي وتتعرقل مهمتي، إلا أنني كنت مقتنعًا أن الانتماء لوسيلة إعلامية بحجم الجزيرة يمنحني غطاءً يحمي من الاشتباه، خاصة في منطقة حرب لاشك مكتظة بأجهزة المخابرات. كانت ليلة ملتهبة لم أشهد مثلها من قبل فهذه لول مرة أرى حربا؛ منصات إطلاق الصواريخ تشعل السماء، والمدفعية والدبابات تهز الأرض، ونيرانها تلهب جبل مرّان حيث منزل حسين بدر الدين الحوثي، زعيم الجماعة واحد اهم مناطق تمركز ما يسمى بـ"الشباب المؤمن". اقترح عليّ مبارك أن نبيت عنده، فظننت أن بيته في الملاحيط نفسها، لكننا انطلقنا بسيارة هايلوكس نحو مرتفعات جبلية شاهقة، في رحلة استغرقت أكثر من ساعة ونصف إلى ساعتين تقريبا. وصلنا منتصف الليل، وكانت مهمتنا الكبرى أنا وحمّادي أن نتعلم استخدام الكاميرا. لم ننم تلك الليلة، ومع طلوع الفجر كنا قد تجاوزنا العقبة وأصبح لدينا إلمام جيد باساسيات تصوير الفيديو. تناولنا الإفطار في رازح وعدنا إلى الملاحيط.

*في ضيافة الأمن السياسي:
ما إن قدّمت بطاقتي لعامل الاستقبال في الفندق المكون من ثلاثة طوابق وعدد محدود جدا من الغرف المكتظة حتى اقترب مني مسلحان بملابس مدنية: "أنت أحمد القرشي؟" أجبت: "نعم." قال أحدهما: "تعال معنا." أدركت فورًا أنهم من المخابرات. شعرت بخوف شديد ولكنني تماسكت وابديت قدرا عاليا من الثبات. كنت أتحدث مع من يثكحبني نحو المكتب بتلقائية وهو يرد بايماءات. كان المكتب غير بعيد من الفندق. احدهما قال لي: أمشي قدامي. قلت له انت مرسل تبلغني ان تعتقلني. ربما لم يفهم الفرق بين الحالتين كان شابا في بدايات حياته. 
لم يكن خوفي من السجن أو الخطر الشخصي علر نفسي، بل من أن تُجهض مهمتي الصحفية وتضيع فرصتي في إثبات كفاءتي لقناة الجزيرة، التي كنت أعتبر تعاوني معها في هذه الحرب محطة انطلاق ونقلة نوعية في مسيرتي المهنية. وصلنا إلى مقر الأمن السياسي، حيث استقبلني مديره العقيد ناجي سيف، رجل بشوش بلهجة جنوبية تشبه لهجة الفنان القدير فيصل علوي وملامح قريبة من أهل تهامة. سألني أول ما سأل: "أين نمت الليلة الماضية؟" فأجبته متحفظًا: "عند صديق." ابتسم وقال: "طوال الليل ونحن نبحث عنك." ثم أردف: "ما عملك في الملاحيط؟" فأجبته بثقة مصطنعة: "أنا مبعوث من قناة الجزيرة لتغطية الحرب. رغم أن المسألة كانت اشبه بالصدفة المحظة وكانت مهمتي تصوير ميداني كمتعاون لا أكثر. "كان العقيد ناجي  يكرر أن هذه حرب بين الدولة والمتمردين، فما شأن الجزيرة بها؟ وانتم الصحفيين أينما حللتم زادت المشاكل. كان يقولها مازحا. في المقابل كنت أستقوي بكوني صحافي يعمل بصالح وسيلة أعلام قوس ومحترمة ويضرب لها الجميع الف حساب، في ذات الوقت كنت أطمئن نفسي أن بطاقتي الصحافية وسند التحويل المالي من مكتب الجزيرة في صنعاء كافيان لاثبات ما اقول.  رحّب بي العقيد وقال: "أنت ضيفنا وفي حمايتنا." ثم أضاف أن اللواء علي محسن الأحمر أوصاه بي، ثم جاء بنيس حنيذ زفت موز مع العسل والسمن البلدي وملوخيا وقات من الفاخر. بعد الغداء دعاني إلى مكتبه وناولني مبلغ مالي في ظرف. قال: هذه خمسين ألف ريال كضيافة من القائد. رفضت المال، لكن الرجل أصر وقلب وجه آخر: ما حد ي الضيافة. كانت لغة مبطنة بتهديد. اتصلت  بمراد هاشم. نصحني بقبول المبلغ. قال نحن لا ناخذ فلوس أو ضيافة احد لكن خذها حتى لا توتر الأجواء وتثير الشكوك حول مهمتك.
من نافذة الأمن السياسي، صورتُ أطقمًا عسكرية وجنودًا يتناولون الغداء في مطعم قريب، ثم عدت إلى الفندق حيث واصلت التصوير. كانت هناك امدادات قادمة من جهة معسكرات حرض وعبس. ناقلات جنود ومنصات صواريخ. في تلك اللحظة، حلّقت طائرة عمودية على ارتفاع منخفض من الفندق وأطلقت صواريخها نحو منزل حسين الحوثي وتجمعات مقاتليه في جبل مرّان. كانت مشاهد جديدة عليا انا ورفيقي حمادي الراجحي.

اكتشاف المخبر
أثناء عودتي إلى الفندق، وجدت مبارك مع شخص آخر في الاستقبال، كان شخصا ذا لحية كثة وملامح سلفية أو اصلاحية. ظنت انه رفيق مبارك وظن مبارك أنه صديقي. خلال جلسة القات في غرفتنا، كان الرجل يتناول القات بنهم لا ينسجم مع اغلب المدينين. والاه انه يخلط بين اسمي مبارك وحمّادي، مما أكد شكوكي بأنه مخبر. 
قلت لحمّادي: خذ الكاميرا إلى حرض أرسلها لمكتب الجزيرة، مدعيًا أن الشريط علق داخلها، بينما كتبت له رسالة أوضحت فيها أن بيننا شخص اعتقد انه من الأمن السياسي وقد يصادر كل شيء ويفشل مهمتنا. وهكذا، أُرسلت الأشرطة بأمان.

الحلقة الثالثة:
بث اول خبر على قناة الجزيرة. وغضب الأمن السياسي واتصال الشيخ الأحمر.

مقالات الكاتب