الحوثي لا يفهم إلا لغة القوة.. والجنوب سدها المنيع

أحد عشر عاماً من الحرب وعشرات الجولات من المفاوضات، ومئات الاتفاقيات الموقعة كلها أثبتت حقيقة واحدة لا تقبل التأويل: مليشيا الحوثي جماعة لا تؤمن بالسلام، ولا تعترف بالدولة، ولا تفهم إلا لغة القوة.

منذ انقلابها المشؤوم على الشرعية والتوافق الوطني في 21 سبتمبر 2014  دأبت هذه الجماعة على نقض كل عهد وتدمير كل اتفاق
نقضت وثيقة السلم والشراكة التي وقعت عليها في صنعاء  وأفشلت مشاورات جنيف 1 و 2
ونسفت اتفاق الكويت بعد 90 يوماً من التفاوض وحولت اتفاق ستوكهولم في ديسمبر 2018 من فرصة لإنقاذ الحديدة إلى أكبر خدعة سياسية استغلتها لتحويل الميناء إلى ترسانة أسلحة ومركز لتهريب الصواريخ الإيرانية وتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر

إن عقيدة الحوثي القائمة على الحق الإلهي والاصطفاء السلالي لا يمكن أن تتعايش مع مفهوم الدولة والمواطنة المتساوية. 
ولذلك فإن الحوثي يتعامل مع أي هدنة أو حوار ليس كفرصة للسلام بل كفرصة لإعادة التموضع وإعادة التجنيد، وحفر الأنفاق، وتكديس السلاح
وكلما مُنح وقتاً إضافياً، عاد أكثر وحشية وتطرفاً، مستهدفاً المدن بالصواريخ الباليستية، وقاصفاً المنشآت النفطية في شبوة ومأرب وحضرموت، وزارعاً ملايين الألغام التي تحصد أرواح الأطفال حتى اليوم

وأمام هذا المشروع الظلامي المستورد من طهران، كان لا بد من وجود قوة على الأرض تقول له "لن تمر"

الجنوب.. الجدار الذي لا ينكسر

هنا برزت القوات المسلحة الجنوبية كحقيقة عسكرية وسياسية لا يمكن تجاوزها من جبال الضالع الشامخة إلى صحاري كرش والصبيحة، إلى هضاب يافع، سطرت هذه القوات أروع ملاحم الصمود والتصدي

على مدى سبع سنوات متتالية، فشلت مليشيا الحوثي بكل إمكانياتها، بمسيراتها الإيرانية وصواريخها الحرارية وأعدادها البشرية الهائلة، في تحقيق أي اختراق استراتيجي باتجاه العاصمة عدن 
تحولت جبهات الشمال الحدودية للجنوب إلى مقبرة جماعية لعناصرها، حيث تم تدمير أكثر من 90% من آلياتها المقتحمة، وقُتل الآلاف من قياداتها الميدانية

هذا الصمود الأسطوري لم يكن صدفة عابرة إنه ثمرة عقيدة وطنية صلبة، وتدريب عسكري احترافي، ودعم وإسناد صادق من الأشقاء في التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، الذين أدركوا مبكراً أن الجنوب هو خط الدفاع الأول عن الأمن القومي العربي.

وحدة البندقية رغم اختلاف المشروع

ولعل ما يميز التجربة الجنوبية ويجعلها نموذجاً فريداً، هو قدرتها على الفصل بين الخلاف السياسي والخطر الوجودي المشترك
فرغم تبني القوات الجنوبية لمشروع سياسي واضح ومعلن يتمثل في استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة بحدود ما قبل 21 مايو 1990، وهو مشروع يستمد شرعيته من تضحيات شعب الجنوب إلا أنها لم تتردد لحظة واحدة في توحيد بندقيتها مع إخوانها في ألوية العمالقة الجنوبية والمقاومة الوطنية في الساحل الغربي وتعز.

لقد قاتل الجنوبي جنباً إلى جنب مع التهامي والتعزي والماربي في معارك الساحل، وقدمت العمالقة آلاف الشهداء لتحرير مناطق خارج جغرافيا الجنوب
مؤكدة أن المعركة ضد المشروع الحوثي الإيراني هي معركة مصير واحد، وأن تحرير صنعاء لا يقل أهمية عن تأمين عدن.
هذه هي المدرسة الوطنية التي يريدها الشعب: نختلف سياسياً على طاولة الحوار، لكننا نتوحد في خندق واحد ضد العدو المشترك.

رسالة إلى الداخل والخارج

اليوم، وبعد أن أصبحت القوات الجنوبية قوة نظامية تمتلك ألوية مقاتلة وقوات احتياط ومؤسسات أمنية، فإن الرسالة أصبحت واضحة للجميع في الداخل والخارج:

أولاً: إن أي تسوية سياسية قادمة لا تأخذ بعين الاعتبار حقيقة وجود قوة جنوبية صلبة على الأرض، هي تسوية ولدت ميتة.
ثانياً: إن أمن البحر الأحمر وباب المندب لن يستقيم إلا بتأمين الجنوب وساحله الممتد لأكثر من 2500 كيلومتر، وهذا التأمين لن يتحقق إلا بدعم القوات الجنوبية باعتبارها الشريك الأكثر ثباتاً ومصداقية في مكافحة الإرهاب والتصدي للمشروع الإيراني.
ثالثاً: إن الحوثي لن يعود إلى طاولة المفاوضات جاداً إلا إذا شعر بقوة عسكرية حقيقية تهدد وجوده في صنعاء وصعدة. وكل محاولات استرضائه بالتنازلات السياسية أثبتت فشلها الذريع.

لقد أثبت الجنوب أنه ليس مجرد رقم في المعادلة اليمنية، بل هو المعادلة الصعبة نفسها، والسد المنيع الذي تحطمت عليه أوهام التمدد الفارسي، وسيبقى كذلك