قراءة تحليلية في تحولات الأداء الحكومي

في الدول التي تعيش أزماتها على امتداد الزمن، لا تقتصر التواريخ على كونها مناسبات سياسية، بل تتحول إلى محطات لقياس جدوى السلطة نفسها. والسابع من أبريل في اليمن ليس استثناءً من هذه القاعدة المعتبرة؛ فمنذ انتقال السلطة اليمنية للحكومة الشرعية المعترف بها دولياً من رئاسة الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي إلى مجلس القيادة الرئاسي برئاسة الدكتور رشاد محمد العليمي في 7 أبريل 2022، لم يعد السؤال الحقيقي متعلقًا فقط بمن يحمل الشرعية، بل بقدرة الشرعية اليمنية على إثبات شرعيتها الدستورية لدى الدول العالمية وتجويد رؤية العواصم الأوروبية والدول الكبرى اليمنية الجمهورية، وغيرها من الأهداف التي حملت أمانة ضرورة تحقيقها، ومنها إلى جانب الهدف السابق، ما تمثل في إيجاد شخصيات ذات كفاءة إدارية واسعة لمختلف السلطات المحلية للمدن اليمنية كافة الواقعة ضمن سيطرة الشرعية، تتولى إدارة مؤسسات الدولة بأعلى قدر من الأمانة والمسؤولية وتوفير وخدمات عامة للمواطن، بالإضافة إلى تثبيت الاقتصاد المحلي ، وتمثيل متميز للشرعية اليمنية خارج اليمني يكون قادراً على حماية الدولة من السقوط الكامل.

واليوم بعد أربع سنوات على 7 أبريل 2022، لم يعد الامتحان للرئاسة اليمنية مجرد إثبات مشروعية السلطة، بل بات متمثلاً بإثبات كفاءتها على الأرض،ففي التجارب المأزومة، لا تُقاس القيادة بما تقوله عن نفسها، وإنما بما تستطيع تثبيته فعلاً على الأرض: هل أعادت تشغيل مؤسسات الدولة؟ هل خففت وطأة الانهيار الاقتصادي؟ هل نجحت في تحويل العلاقات الدولية من مجرد غطاء سياسي إلى مورد سيادي يساعد على الصمود؟ وهل استطاعت أن تخلق، ولو تدريجيًا، فكرة دولة ممكنة في مواجهة واقع بالغ التشظي؟
هذا الواقع يدعو إلى إعادة تعريف وظيفة السلطة اليمنية عبر ثلاثة مسارات متلازمة : تثبيت قدر من الانضباط الاقتصادي، توسيع شبكة الدعم والعلاقات الدولية، وإظهار حضور حكومي في الداخل عبر مشاريع وخدمات وبنى أساسية تعيد للدولة بعض ملامحها التنفيذية.

أهمية هذا التحول تكمن في أن الشرعية في البيئات الهشة لا تعيش طويلًا على الاعتراف السياسي وحده، بل على قدرتها على إنتاج وقائع يومية ملموسة. فالبنك الدولي أكد في نوفمبر 2025 أن الاقتصاد اليمني بقي تحت ضغط حاد، مع استمرار تعطل صادرات النفط، وارتفاع التضخم، وتراجع المساعدات، واستمرار الهشاشة العامة. لكن الوقوف عند هذا التشخيص وحده لا يكفي لفهم التحول الجاري؛ فالمهم أيضًا أن ثمة مؤشرات بدأت تظهر على محاولة استعادة الحد الأدنى من انتظام الدولة الاقتصادية. أبرز هذه المؤشرات أن صندوق النقد الدولي أعلن في 2 أبريل 2026 استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن بعد انقطاع دام 11 عامًا، وهو تطور لا يمكن فصله عن تحسن نسبي في القدرة المؤسسية وتوفير البيانات الاقتصادية، فضلًا عن وجود إرادة رسمية لإعادة وصل اليمن بمؤسسات التمويل والتقييم الدولية. كما أقرّت الحكومة اليمنية برنامجها لعام 2026 بأولويات تركز على الاستقرار السياسي والأمني، والتعافي الاقتصادي والمالي والنقدي، واستعادة النمو المستدام والعادل. هذه ليست نهاية الأزمة، لكنها تعني أن الدولة بدأت تتحدث بلغة البرنامج والإصلاح، لا بلغة النجاة اليومية وحدها.
وهنا تتبدى إحدى أهم نقاط القوة في أداء فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي خلال هذه المرحلة: إدراكه أن المعركة الاقتصادية في اليمن لا تُخاض فقط داخل البنك المركزي أو وزارة المالية، وإنما تُخاض أيضًا في المجال الدبلوماسي. فالاقتصاد اليمني، في وضعه الراهن، لا يمكنه الصمود بالموارد الذاتية وحدها، بل يحتاج إلى شبكة دعم سياسي ومالي خارجية تحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار، وتمنع الانهيار الكامل، وتمنح المؤسسات فرصة لالتقاط الأنفاس. ومن ثم، لم تعد الدبلوماسية ترفًا سياسيًا، بل غدت جزءًا من بنية الإنقاذ الاقتصادي نفسها.
في هذا الإطار، شهدت الفترة الممتدة بين 2025 وبداية 2026 نشاطًا واضحًا في حشد الدعم الخارجي وربط الشرعية اليمنية بمسار مساندة إقليمي ودولي منظم. فقد أفادت رويترز في سبتمبر 2025 بأن السعودية قدّمت دعمًا اقتصاديًا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا بنحو 368 مليون دولار. كما أعلنت المملكة في يناير 2026 حزمة تنموية ومشاريع جديدة بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي، شملت تدخلات اقتصادية وخدمية في عدد من المحافظات. وفي يونيو 2025 وافق البنك الدولي على 30 مليون دولار لدعم البنية التحتية المالية الرقمية والتعليم الأساسي في اليمن. هذه الوقائع لا تعني أن الاقتصاد اليمني تعافى، لكنها تؤكد أن القيادة اليمنية نجحت في إبقاء ملف الدولة حاضرًا لدى الشركاء، وفي تحويل العلاقات الإقليمية والدولية إلى رصيدٍ عملي، وربط الشرعية بمورد فعلي يخفف الضغط عن الدولة.
والواقع أن قراءة هذا المسار الدبلوماسي لا ينبغي أن تقتصر على الأرقام المالية وحدها. فالدبلوماسية الناجحة في السياق اليمني هي تلك التي تعيد إنتاج موقع الدولة المعترف بها داخل الجغرافيا السياسية للمنطقة والعالم. ومن هنا يمكن فهم أهمية اللقاءات والتحركات التي استهدفت تعميق الصلات مع المؤسسات الخليجية والأممية، وربط عدن تدريجيًا بصورة العاصمة الممكنة للدولة. ففي سبتمبر 2025، وبعد موجة الاعتقالات التي طالت موظفين أمميين في صنعاء، نقلت الأمم المتحدة مقر عمل منسقها المقيم إلى عدن، في خطوة ذات دلالة سياسية وإدارية تتجاوز بعدها الفني؛ إذ تعزز حضور عدن بوصفها مركز تشغيل دولي أكثر اتصالًا بالسلطة الشرعية، وتمنح الحكومة مساحة إضافية في إدارة العلاقة مع المجتمع الدولي. خلال هذه المرحلة، كثّفت القيادة اتصالاتها مع العواصم الخليجية والمؤسسات الدولية، واستمرت في تثبيت صورة عدن بوصفها مركزًا ممكنًا للدولة ومجالًا للتنسيق الدولي. وفي الوقت نفسه، لم يعد الحديث الرسمي محصورًا في طلب المساعدة، بل اتجه أكثر نحو خطاب الشراكة في التعافي، والبناء المؤسسي، والدبلوماسية التنموية. وهذا تطور نوعي في صياغة الدور اليمني نفسه: من دولة تُدار بوصفها أزمة إنسانية فقط، إلى دولة تحاول أن تستعيد تعريف نفسها ككيان سياسي يسعى إلى تثبيت مؤسساته وخدماته وعلاقاته الدولية.
عن أي تقييم منصف، فإن هذا التحول لم يبقَ محصورًا في البيانات الاقتصادية أو اللقاءات السياسية، بل انعكس أيضًا في حزمة من المشاريع والخدمات والبنى الأساسية التي تمنح الأداء الحكومي وجهًا داخليًا أكثر وضوحًا. فبحسب ما أعلنه البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن خلال 2025، فقد وصل عدد مشاريعه ومبادراته التنموية إلى 265 مشروعًا ومبادرة في ثمانية قطاعات أساسية، ثم تحدث في مطلع 2026 عن أكثر من 268 مشروعًا ومبادرة في مختلف المحافظات اليمنية. والأهم من الرقم نفسه أن هذه المشاريع توزعت على قطاعات التعليم والصحة والمياه والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية والبرامج التنموية وبناء القدرات، بما يعكس أن المقاربة لم تعد محصورة في الدعم المالي المباشر، بل اتجهت إلى تشكيل بنية دعم مرتبطة بحياة الناس اليومية.
فالمستشفى، بحسب البيانات الرسمية للبرنامج السعودي، تبلغ مساحته 20 ألف متر مربع، وقد جُهز بـ2187 جهازًا ومعدة طبية، وبسعة سريرية تصل إلى 270 سريرًا. وهذه ليست تفاصيل فنية معزولة، بل مؤشرات على محاولة بناء رافعة خدمية حقيقية في مدينة تمثل المركز الإداري والسياسي الأهم للحكومة. وكذلك الحال في قطاع التعليم، حيث أُعلن خلال 2025 عن افتتاح مشاريع تعليمية جديدة، مع الإشارة إلى أن البرنامج قدم 56 مشروعًا تعليميًا، إلى جانب برامج تدريب وتأهيل للمعلمين في عدن وحضرموت ومحافظات أخرى.

الشرعية اليمنية تدفع بالدبلوماسية إلى الأمام

لقد نجحت الدبلوماسية اليمنية بقيادة الرئيس العليمي في تثبيت اعتراف أكثر من 50 دولة بشرعية مجلس القيادة الرئاسي، مع تحول استراتيجي بجعل عدن المقر الرئيسي لاستلام أوراق الاعتماد الدولية، مما عزز السيادة الوطنية وعزل الأطراف غير الشرعية دوليًا.

وتعتبر هذه الدول الأهم سياسيًا، حيث سلّم سفراؤها (المقيمون وغير المقيمين) أوراق اعتمادهم في قصر معاشيق:

أوروبا والاتحاد الأوروبي: 
بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، هولندا، إسبانيا، النمسا، السويد، أيرلندا، فنلندا، البرتغال، البوسنة والهرسك، والاتحاد الأوروبي، إيطاليا، سويسرا، بلجيكا، النرويج، اليونان، المجر.
الدول العربية:
مصر، الإمارات، الكويت، العراق، ليبيا، موريتانيا، السودان، عُمان، البحرين، قطر، الأردن، تونس، المغرب، جيبوتي، الصومال.
آسيا وروسيا: روسيا الاتحادية، اليابان، الهند، فيتنام، الصين، كوريا الجنوبية، إندونيسيا، ماليزيا، تركيا.
الأمريكتين: 
الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، البرازيل، الأرجنتين، تشيلي، كوبا.
أفريقيا:
إثيوبيا، جنوب أفريقيا، أنغولا، زامبيا، تنزانيا، السنغال.

وعلى المستوى الداخلي، حاولت القيادة مواكبة هذا الحراك الخارجي بخطوات مؤسسية وأمنية تمنح الدولة بعض التماسك. ففي فبراير 2026 ترأس فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي أول اجتماع للحكومة الجديدة، مؤكدًا أن التغيير الحكومي ليس مجرد تدوير للأسماء، بل محاولة لإطلاق دفعة تنفيذية جديدة قوامها الإصلاح الاقتصادي والإداري، وتعزيز الأمن وسيادة القانون، وتحسين الخدمات. كما أُعلن قبل ذلك في يناير 2026 عن تشكيل لجنة عسكرية عليا، في سياق تقديم رسمي لهذه الخطوة باعتبارها جزءًا من مسار توحيد القرارين الأمني والعسكري. وفي مارس 2026 صدرت تعيينات لمحافظين جدد لمحافظة لحج وابين والضالع، بما يعكس محاولة لإعادة ترتيب الإدارة المحلية ورفع كفاءة السيطرة التنفيذية في مناطق نفوذ الحكومة.

هذه الخطوات لا تعني أن الدولة تجاوزت انقساماتها، لكنها تعني أن القيادة تحاول تقليص المسافة بين الشرعية كعنوان سياسي والشرعية كقدرة على التنظيم والفعل. ولا تكتمل دون الاعتراف بحدود هذا المسار. فالخطة الحكومية، رغم ما فيها من ترتيب وأولويات، وُصفت من مركز صنعاء بأنها طموحة لكنها تصطدم بقيود مالية ومؤسسية وسياسية كبيرة. والبنك الدولي لا يزال يتحدث عن اقتصاد هش، فيما أشارت رويترز في أكثر من مناسبة إلى أن مجلس القيادة يواجه انقسامات داخلية وتراجعًا في القدرة على توحيد القوى المناوئة للحوثيين. وهذا يعني أن ما تحقق حتى الآن ينبغي وصفه بدقة: ليس استقرارًا مكتملًا، وليس خروجًا نهائيًا من الأزمة، بل تحسنًا نسبيًا في إدارة الدولة، ومحاولة لإعادة بناء فاعليتها من داخل حقل ألغام سياسي واقتصادي بالغ التعقيد.
إن 7 أبريل 2026 لا تكمن في كونه موعدًا رمزيًا، بل في كونه لحظة مراجعة مفتوحة. لقد نجح فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي في إبقاء اليمن حاضرًا على طاولة الحلفاء والشركاء، وفي تحويل جزء معتبر من العلاقات الإقليمية والدولية إلى دعم اقتصادي وتنموي، وفي إعطاء الأداء الحكومي بعدًا أكثر التصاقًا بالمشاريع والخدمات والبنى الأساسية. لكن الامتحان الأصعب لا يزال قائمًا: هل يمكن تحويل هذه التحركات إلى أثر مستدام؟ هل يمكن أن تصبح الكهرباء أكثر انتظامًا، والرواتب أكثر استقرارًا، والخدمات أكثر صلابة، والمؤسسات أكثر قدرة على الاستمرار؟ هنا، وليس في أي مكان آخر، يُقاس معنى الشرعية في اليمن اليوم.

فالشرعية في الدول المنهكة لا تُقاس بما يُقال عنها في المحافل، بل بما تتمكن من تثبيته في حياة الناس. وما بين 2022 و7 أبريل 2026، يظهر أن اليمن لم يخرج من أزمته، لكنه لم يعد أيضًا في النقطة نفسها. ثمة انتقال بطيء من شرعية الدفاع عن النفس إلى شرعية محاولة البناء. وثمة دولة تحاول، رغم الحرب والانقسام وشح الموارد، أن تستعيد شيئًا من وظيفتها الاقتصادية والخدمية والدبلوماسية. وهذا، في حد ذاته، ليس خاتمة المسار، لكنه بداية أكثر جدية لما ينبغي أن يكون عليه الحكم: لا مجرد سلطة تُعترف بها، بل سلطة تستطيع أن تفعل مؤسساتها.

مقالات الكاتب