هندراب مفتوح... وعدن التي نريد

هذه المرة لا نبحث عن أحد يمتلك قدرات خارقة، ولا عن مسؤول يرسم صورة مثالية لا وجود لها على أرض الواقع. ما نريده هو إنسان يعرف عدن كما يعرف بيته، يحملها في ذاكرته قبل منصبه، ويعامل أبناءها بروح الأب والأخ والصديق.
نريد قيادة تؤمن بأن عدن لا تُدار بالأوامر، بل بالمحبة والانتماء، وأن المرحلة التي نعيشها تتطلب أن تتحد العقول قبل القلوب، وأن يكون هدف الجميع هو إنقاذ المدينة بعيدًا عن التجاذبات والمصالح الضيقة. فعدن كانت وستظل الحضن الذي يتسع للجميع.
نريد مسؤولين يعرفون تفاصيل المدينة كما يعرفها أهلها؛ لعبوا "شبدلوا" في حافة حسين، وركضوا ال "غميضان" بأزقة الشيخ إسحاق، وحملوا معهم ذكريات "مقهاية السكران" في كريتر، و"خمير" الخامري في المعلا، وحديقة "الكمسري" في الشيخ عثمان. نريدهم ممن اغتسلوا بمياه جولدمور، وصلوا الجمعة في جامع النور، وقرأوا الفاتحة في مقبرة العيدروس، ثم ختموا يومهم بطبق زربيان من "لبيبه"، لأن المدن تُعرف بذاكرة أهلها قبل خرائطها.
نريد من يعرف تاريخ صيرة وصهاريج الطويلة، ويؤمن بأن عدن لم تكن يومًا مدينة للكراهية، بل كانت مدينة للحب والتسامح والتنوع، احتضنت الجميع وصنعت نموذجًا فريدًا للتعايش. مدينة كانت ترفض السلاح، وتنتصر للعلم والعمل والثقافة.
لكننا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، نحتاج إلى استعادة روح عدن، لا بالبكاء على الماضي، وإنما بصناعة المستقبل.
وقد أثبت شباب عدن ذلك حين قدموا للعالم تجربة TEDx Aden 2026، ليس باعتباره مؤتمرًا فحسب، بل رسالة حضارية تقول إن هذه المدينة ما زالت قادرة على الإبداع رغم كل ما مرت به. جاء شعار المؤتمر "هندراب مفتوح"، وهي العبارة العدنية الشعبية التي تشير إلى قفل الباب المفتوح، ليحمل معنى أعمق؛ أن أبواب الأمل لا تُغلق، وأن عدن تظل مفتوحة للأفكار، وللشباب، وللمبادرات، وللحياة.
لقد قدم شباب عدن نموذجًا مختلفًا؛ نموذجًا يؤمن بأن الثقافة أقوى من الضجيج، وأن الحوار أبلغ من الصراع، وأن منصة تجمع العقول قد تصنع أثرًا يفوق ما تصنعه سنوات من الخطابات.
وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه جميعًا. فعدن لا تحتاج إلى مزيد من الانقسام، بل إلى المزيد من المبادرات التي تعيد الثقة إلى أبنائها، وإلى مسؤولين يرون في الشباب شركاء في البناء لا مجرد متفرجين.
لدينا في عدن ثروتنا الحقيقية، وهي الإنسان. فإذا استثمرنا في الثقافة والتعليم والإبداع، سنكتشف أن بداية الحل كانت دائمًا في عقول أبنائها، لا في أصوات البنادق ولا في صخب الخلافات.
ولا شك أن الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه ونظافة وأمن تبقى من أولويات أي قيادة، لكن نجاح أي مدينة لا يُقاس بالخدمات وحدها، بل بقدرتها على صناعة الأمل، وحماية الإنسان، واحتضان المبدعين.
عدن التي عرفها العالم مدينة للتجارة والثقافة والانفتاح، تستحق أن تستعيد مكانتها. وتستحق إعلامًا ينقل الحقيقة بمهنية، ومسؤولًا ينحاز للمدينة لا للأطراف، وشبابًا يواصلون صناعة الفارق كما فعلوا في TEDxAden   .
أعترف أنني كلما رأيت صورة لعدن اختلطت في داخلي مشاعر الفخر والحنين. هذه المدينة ليست مجرد مكان، بل ذاكرة وعشق وهوية. وكلما ابتعدنا عنها، أدركنا كم هي جميلة، وكم تستحق أن نمنحها أفضل ما فينا.
عدن لا ينقصها الحب، بل تحتاج إلى من يحول هذا الحب إلى عمل، وإلى من يفتح أبوابها للأمل كما فتح شبابها "الهندراب" للأفكار.
فلنجعل شعار "هندراب مفتوح" ليس شعار مؤتمر انتهى، بل ثقافة مدينة تبدأ من احترام الإنسان، وتصل إلى بناء المستقبل.
نريد عدن بلا فتن، بلا تكسير، بلا كراهية... نريدها مدينة يفتح فيها كل باب على فرصة، وكل شارع على حكاية، وكل شاب على حلم.
فهندراب_عدن... سيظل مفتوحًا.

مقالات الكاتب

مخرج مسرحي!

ماهي أهمية وجود محللين سياسيين وإقتصاديين في الشرق الأوسط.. بإعتقادي نحن اليوم بأمّس الحاجة إلى مخرج...

اليمن - بلد الترندات

اليمن، البلد الذي يتصدر الترندات بين الحين والآخر، ليس فقط بسبب الأحداث السياسية والصراعات، بل أيضاً...