عاجل : ردفان تستعد للمشاركة في فعالية جماهيرية بعدن
أفادت تصريحات للعميد ناجي الكربي، رئيس المجلس الانتقالي في حالمين، عن استعدادات جماهيرية من أبناء رد...
إلى روح القائد والمربي والمدير العام الراحل د. عبدالرحمن الشاعر
أكتب إليك اليوم، لا لأودّعك، فقد عجزت الكلمات أن تقول وداعًا لرجلٍ ترك في المكان من روحه أكثر مما ترك من أثره.
أكتب إليك وكأنني أحييك للمرة الأخيرة، وكأنني ما زلت أنتظر صوتك يسبق خطواتك في أروقة مدارس النورس، وكأنني أترقب أن يمر طيفك بيننا، فتعود إلى المكان هيبته، وإلى القلوب طمأنينتها.
ها نحن اليوم نستقبل عامًا دراسيًا جديدًا...
تُفتح الأبواب، وتُرتّب الفصول، وتعلو أصوات الطلاب في الساحات، وتبدأ حكاية عامٍ جديد... لكن شيئًا واحدًا لن يكون كما كان.
أنت لست هنا.
وما أقسى أن تبدأ عامًا جديدًا في المكان الذي اعتاد أن يبدأ بك.
ستبدو الساحات أوسع من المعتاد، والممرات أكثر صمتًا، والمكاتب تفتقد حضورك، وسيظل في كل زاوية شيءٌ منك... كرسيٌ عرف جلستك، وممرٌ حفظ خطواتك، وطلابٌ ما زالوا يتذكرون ابتسامتك، ومعلمون يستعيدون كلماتك كلما أثقلتهم المسؤولية.
كنت قائدًا لا يكتفي بأن يقود، بل كان يصنع القادة.
وكنت مديرًا لا يرى في منصبه سلطة، بل أمانة، ولا يرى في المدرسة مبنى، بل رسالة، ولا يرى في الطالب رقمًا في سجل، بل إنسانًا يستحق أن يُؤمن به.
كنت مربّيًا قبل أن تكون مديرًا، وإنسانًا قبل أن تكون قائدًا.
كنت تستقبل الطالب وكأنه واحد من أبنائك، وتسمع للمعلم وكأن همّه همّك، وتحمل على عاتقك أحلام هذه المؤسسة وكأنها حلمك الشخصي.
كنت تؤمن أن التعليم لا يصنع المتفوقين فقط، بل يصنع الإنسان.
وأن الكلمة الطيبة قد تغيّر حياة طالب، وأن يدًا تمتد في الوقت المناسب قد تنقذ حلمًا من السقوط.
كنت تقول لنا، وتعلمنا بأفعالك قبل كلماتك، إن الطريق إلى النجاح لا يخلو من التعثر، وإن الفشل ليس نهاية الطريق، بل ربما كان أول خطوة نحو نجاحٍ لم نكن نراه بعد.
لقد كنت نورسًا حقيقيًا...
تقود سفينتنا وسط أمواج المسؤولية، وتبحث لنا عن شاطئٍ أكثر إشراقًا، وتحمل همّ الغد قبل أن يأتي.
وحين كنت تتحدث، لم تكن كلماتك مجرد توجيهات عابرة؛ كانت تترك فينا شيئًا يبقى.
كنا نخرج من حديثك ونحن نشعر أن علينا أن نفعل المزيد، وأن نحلم أكبر، وأن نكون أفضل.
واليوم، حين نبحث عنك فلا نجدك...
نجد كلماتك.
نجد مبادئك.
نجد أحلامك التي تركتها معلقةً في جدران هذه المؤسسة.
ونجد أثر يديك في كل نجاحٍ تحقق، وفي كل طالبٍ ابتسم، وفي كل معلمٍ شعر أنه جزء من رسالة عظيمة.
رحلتَ عن المكان، لكنك لم ترحل منه.
رحلتَ عن أعيننا، لكنك بقيت في تفاصيله.
رحلتَ عن مقعدك، لكنك تركت مقعدًا في قلب كل من عرفك لا يستطيع أحد أن يشغله.
وهذا العام، ونحن نبدأ عامًا دراسيًا جديدًا، لن يكون وعدنا لك أن نحزن عليك فقط...
بل أن نكمل ما بدأت.
سوف نحافظ على هذه المؤسسة التي أحببتها، ونحمل رسالتها كما حملتها، ونصون اسمها كما صنتها، ونزرع في طلابها ما زرعته فينا من علمٍ وقيمٍ وطموح.
سنمضي...
حتى وإن كان الطريق من بعدك أكثر صعوبة.
سنمضي...
لأنك علمتنا ألا نتوقف أمام الصعاب.
وسنحاول أن نجعل كل نجاحٍ تحققه مدارس النورس شاهدًا على أنك لم تذهب سدى.
ربما لن تسمع تصفيقنا حين ينجح طالب.
وربما لن ترى فرحة معلمٍ حين يحقق إنجازًا.
وربما لن تكون بيننا في أول يوم دراسي، حين تمتلئ الساحات بالأصوات والوجوه الجديدة...
لكننا سنذكرك.
سنذكرك في كل إنجاز.
في كل طالبٍ يحقق حلمه.
في كل معلمٍ يؤدي رسالته بإخلاص.
وفي كل صباحٍ تُفتح فيه أبواب مدارس النورس.
سنقول لأنفسنا:
هنا مرّ رجلٌ آمن بالتعليم... فترك وراءه أجيالًا تؤمن به.
نم قرير العين، أيها القائد والمربي والمعلم...
فقد تركت خلفك قلوبًا لم تنسَ فضلك، وأجيالًا تحمل شيئًا من أثرك، ومؤسسةً ستظل تحمل بصمتك ما دام فيها طالب يتعلم، ومعلم يعلّم، وحلمٌ يولد.
ولئن غاب جسدك عن هذه الساحات، فإن حضورك سيظل بيننا؛ في كل قيمةٍ غرستها، وفي كل إنسانٍ ساعدته، وفي كل حلمٍ آمنت به.
لن نقول وداعًا...
لأن بعض الأشخاص لا يغادرون حياتنا حين يرحلون، بل يتحولون إلى ذكرى تسكن القلب، وإلى أثرٍ يمشي معنا، وإلى دعاءٍ لا ينقطع.
اللهم إن عبدك قد ترك الدنيا، لكنه ترك فينا أثرًا طيبًا لا يُنسى.
اللهم ارحم قائدنا ومربينا ومديرنا العام، واغفر له، وأنر قبره، وآنس وحشته، واجعل كل علمٍ علّمه، وكل طالبٍ أرشده، وكل خيرٍ صنعه، وكل أثرٍ تركه نورًا له في قبره وأجرًا جاريًا إلى يوم يلقاك.
اللهم اجزه عن رسالته خير الجزاء، وارفع مقامه في المهديين، واجمعه بمن يحب في جنات النعيم.
رحمك الله يا من كنت لنا قائدًا حين احتجنا إلى القيادة، ومربيًا حين احتجنا إلى التربية، وأبًا حين احتجنا إلى الأمان.
ستبدأ مدارس النورس عامًا جديدًا...
لكنها ستبدأه وهي تحمل اسمك في الذاكرة، وأثرك في المكان، ودعاءنا لك في كل قلب.
نم قرير العين...
لقد رحلتَ عنّا،
لكن ما زرعته فينا لن يرحل.
الأستاذة: ياسمين عبد الحكيم