مهمش يقتل شاب بدم بارد
توفي الشاب عبدالله عبدالرحمن منصور عبدالله القباطي، من منطقة الرماء بمديرية القبيطة، إثر تعرضه لاعتد...
إهداء وتوثيق من : أبنائه
الهدف :ليبقى إرثا ملهما للعائلة والأحفاد
عام الاصدار 1447ه / 2026م
المقدمة:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسوله الأمين.
في حياة كل منا شخص تتربى على يديه المبادئ، وتتضح برؤيته معالم الطريق. ولم يكن والدي الغالي مجرد أبٍ يمنح الرعاية، بل كان ولا يزال المنارة التي أستضيء بها، والقدوة الحية التي علمتني كيف يكون الرجال رجالاً، وكيف يصنع العلم والأدب هيبة الإنسان وطيب أثره بين الناس.
منذ وعيت على هذه الدنيا، وأنا أرى في عينيه كفاحاً لا يلين، وفي قلبه طيبة تسع البلاد بأسرها، وفي سيرته عطاءً لم ينقطع يوماً؛ سواء في ميادين العلم والتعليم، أو في خدمة مجتمعه وأهله في منطقتنا خلَّة وخاصة قريتنا الغالية (الفِجْوَر) ومحيطها. إن كل مجلس يُذكر فيه اسمه يمتلئ بالثناء والاحترام، وهذا لعمري هو الإرث الحقيقي والفخر العظيم الذي يتضاءل أمامه كل جاهٍ ومال.
الهدف من هذه السيرة:
لم أكتب هذه السيرة لمجرد تدوين التواريخ والمحطات، بل كتبتُها بمداد الحب والامتنان؛ لتكون توثيقاً حياً لمسيرة رجل عصامي، وليبقى هذا الكتاب إرثاً ملهماً تتوارثه عائلتنا الغالية، وتقرأه الأجيال القادمة من الأبناء والأحفاد، فيعلموا كيف تبنى السير العطرة، وكيف يخلّد المرء اسمه بالخير والطيبة وخدمة الناس.
إلى قدوتي الأولى، ومثلي الأعلى.. إلى والدي العزيز: حظيت بك أباً، وفخرت بك قدوة.
الفصل الأول: الجذور والنشأة (فجر الحياة في خَلّة)
بين الروابي الخضراء: قصة المكان
في منطقة خلَّة بالذات قرية "الفِجْوَر" الهادئة، تلك الجوهرة الخضراء في منطقة "خَلّة" بمحافظة الضالع، كانت البداية. لطالما حدثنا والدي الأستاذ حيدرة عن جمال "الفِجْوَر" وخصوبة أرضها التي اشتهرت بها بين القرى، وكيف كانوا يعملون في الأرض في زراعتها وحصادها ورعي الأبقار بين تلك الأرض الخضيرة؛ ففي ذاكرته لا تزال الخضرة والزراعة هي المعلم الأول الذي علمه الصبر وعظمة الأرض، في هذا المحيط الأصيل، تشكلت الملامح الأولى لرجلٍ سيصبح لاحقاً قدوة لنا وللجميع.
الميلاد والكنف الأسري:
ولد والدي في الثاني من يناير عام( 1963م )، ليفتح عينيه على أسرة كريمة يقودها جدي "مثنى صالح محرم" -رحمه الله-، ذاك الرجل الذي غرس في أبنائه قيم الوفاء والعلم. وبفخرٍ كبير، يحكي لنا الوالد عن ترابطه مع إخوته، وكيف برزوا كقامات علمية واجتماعية، ومنهم شقيقاه: عمي الأستاذ محمد مثنى، وعمي القاضي ناصر مثنى، وعمي مثنى بن مثنى الذي شق طريق كفاحه مغترباً في بريطانيا حفظهم الله جميعاً.
الفقد المبكر وأثر اليتم:
من القصص المؤثرة التي رواها لي مرة والدي، رحيل جدتي (والدته) وهو لا يزال طفلاً صغيراً في مقتبل العمر. كان لهذا الفقد أثرٌ عميق في وجدانه؛ فعلى الرغم من مرارة اليتم، إلا أنه صقل في داخله قوة الاعتماد على الذات والجلد، وكأن القدر كان يعدّه ليصبح الجبل الذي نستند إليه جميعاً.
من ذكريات المدرسة: كفاح خلفه أبٌ عظيم
يقول لي والدي ذات مرة وهو يسترجع ذكريات دراسته في مدرسة "خَلّة القديمة" التي بدأ فيها الابتدائية (عام 1970م): " يقول كنت أحياناً أذهب إلى المدرسة دون فطور بسبب ظروفنا آنذاك وفقدان الأم التي ترعى شؤون البيت".
لكنه دائماً ما يختم هذه القصة بدمعة وفاء لجدي "مثنى"؛ فقد كان الجد يتبعه خلسةً إلى المدرسة، ويمشي خلفه المسافات ليناوله ما تيسر من طعام أو كسر خبز، خشية أن يغلبه الجوع وهو يطلب العلم. هذا المشهد الذي يرويه والدي بحب، هو ما جعلنا ندرك معنى التضحية، وكيف شق طريقه التعليمي بتفوق رغم الصعاب، حتى أنهى الإعدادية (في عام 1979م) والثانوية (عام 1982م).
ومع نهاية الثمانينات، وقبل أن يرى جدي ثمرة كفاح والدي كاملة، انتقل إلى جوار ربه. رحل الجد تاركاً لوالدي ولأعمامي إرثاً من الأخلاق والتربية، وهو الإرث الذي تعهد والدي بحمله وتوثيقه لنا، لنكون خير خلف لخير سلف.
الفصل الثاني: في ميادين العطاء (بين الواجب الوطني ورحاب الجامعة)
بعد أن طوى أبي صفحة الدراسة الثانوية في "خَلّة" عام 1982م، انطلق نحو مرحلة جديدة من بناء الذات، وكانت تلك الأيام تمثل حقبة هامة في تاريخ الوطن، حيث كانت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية تعيش أزهى فترات اهتمامها بالنظام والتعليم والخدمة العسكرية الصارمة.
أولاً: في مدرسة الرجولة (الخدمة العسكرية 1983 - 1985)
يحدثنا أبي بوقار عن تلك السنتين اللتين قضاهما في أداء الخدمة الوطنية العسكرية. لم تكن مجرد واجب مفروض، بل كانت مدرسة صقلت شخصيته وزادتها صلابة. في ظل نظام الدولة آنذاك، تعلم أبي الانضباط العسكري الدقيق، وكيفية التحمل في أصعب الظروف. كنت أسمع في نبرة صوته دائماً اعتزازاً بتلك الفترة، وكأنها هي التي وضعت حجر الأساس للقوة والحزم اللذين عرفناهما فيه لاحقاً كمدير وأب.
ثانياً: رحلة العلم في "لحج الخضراء" (1986 - 1989)
بمجرد انتهائه من الخدمة العسكرية، لم يهدأ طموح أبي، فشد الرحال إلى محافظة لحج، وتحديداً إلى جامعة عدن - كلية ناصر للعلوم الزراعية.
اختار تخصصاً يشبه روحه المرتبطة بالأرض؛ قسم الأحياء".
في أروقة تلك الكلية العريقة، لم يكن أبي مجرد طالب يمر عابراً، بل كان شخصية بارزة وحاضرة بقوة بين زملائه. يجمع بين التفوق الدراسي وبين الكاريزما الاجتماعية؛ فقد كان قريباً من الجميع، يمد يد العون لأصدقائه، ويقود المبادرات الطلابية، مما جعل له شبكة واسعة من الأصدقاء الذين ظلوا يكنون له كل الود والاحترام حتى يومنا هذا.
كان يدرس وفي ذهنه صورة قريتنا "الفِجْوَر"، وكأنه يريد أن يطوّع العلم ليخدم تلك الأرض الخضراء التي نشأ فيها.
الفصل الثالث: سنوات الكفاح وبناء الأسرة (من هندسة الأرض إلى هندسة الحياة)
بعد أن أنهى والدي دراسته الجامعية بتفوق عام 1989م، لم ينتظر طويلاً ليبدأ مسيرته المهنية. كانت الأحلام كبيرة، والهمة تعانق السماء، فبدأ يشق طريقه في ميادين العمل والإنتاج بمحافظة لحج، التي احتضنت بداياته العملية بكل رحابة.
أولاً: المهندس الشاب في إدارة الزراعة (1989م)
في الأول من أكتوبر عام 1989م، صدر قرار تعيين والدي كأول مهندس زراعي في إدارة الزراعة بمحافظة لحج. وكثيراً ما يحدثنا الوالد عن تلك الفترة بزهو المهندس الشاب الذي يتطلع لتطبيق كل ما تعلمه في الجامعة على أرض الواقع. كانت هذه المرحلة بمثابة "الاختبار الأول" لمهاراته، وأثبت فيها كفاءة عالية وأمانة لفتت الأنظار، مما مهد له الطريق سريعاً لينتقل إلى صرح إنتاجي واقتصادي أكبر.
ثانياً: في قلعة الإنتاج مصنع طماطم الفيوش (1990 - 1994)
في الأول من فبراير عام 1990م، انتقل والدي للعمل في واحد من أشهر المعالم الإنتاجية والصناعية في تلك الحقبة: "مصنع طماطم الفيوش". وهناك، لم يكن مجرد موظف عابر، بل أُسندت إليه مسؤولية جسيمة وحساسة تمثلت في إشرافه على "قسم الجودة" (المختبر).
يحدثنا والدي عن دقة العمل في المختبر، حيث كانت جودة المنتج أمانة في عنقه تتطلب يقظة تامة. قضى هناك قرابة خمس سنوات من الكد والتعب وضبط المعايير. ونحن نرى اليوم أن سنوات "الفيوش" هي التي صقلت في شخصيته الانضباط والدقة المتناهية؛ فمن يتربى مهنياً في "قسم الجودة" لا يقبل إلا بالكمال والإتقان في كل تفاصيل حياته.
ثالثاً: الميثاق الغليظ والنسب الرفيع (11 فبراير 1993م)
في منتصف تلك الرحلة العملية الشاقة، وبينما كان والدي يثبّت أقدامه في ميدان العمل، حان الوقت ليضع حجر الأساس لأهم وأجمل مشروع في حياته: بناء أسرتنا الغالية.
وفي يوم مبارك مشهود، وتحديداً في 11 فبراير من عام 1993م، تزوج والدي من والدتي الغالية والعزيزة على قلوبنا جميعاً. ولم يكن هذا الزواج مجرد ارتباط، بل كان دمجاً لبيوت العلم والفضل؛ فوالدتي هي ابنة رجل مشهود له بالخير، وجدّي هو الأستاذ القدير محمد عبدالمجيد العمري، الشخصية المعروفة والبارزة في "خَلّة"، والذي كان يمتلك مكانة رفيعة وتقديراً كبيراً بين الناس. كان هذا النسب الرفيع والبيت الكريم خير عون لوالدي؛ حيث شاركته والدتي الغالية رحلة الكفاح وتحملت معه مشاق البدايات وهو يوازن بجهدٍ عظيم بين عمله ومسؤولياته في مصنع الفيوش بلحج، وبين تأسيس أسرته الجديدة في الضالع. ولم تمضِ سنة على هذا الزواج المبارك حتى استبشرت العائلة بقدوم أول مولود (أختي الكبرى) في عام 1994م، لتكتمل فرحتهم.
الفصل الرابع: العودة إلى الجذور ورسالة الأنبياء (ميدان التعليم وخدمة المجتمع)
أولاً: رياح التغيير والعودة إلى البلاد (نهاية 1994م)
لم تدم رحلة والدي المهنية في لحج ومصنع الفيوش طويلاً؛ ففي صيف عام 1994م، عصفت بالبلاد أحداث حرب صيف 94 المعروفة، والتي أدت إلى تدمير وتخريب الكثير من مؤسسات ومصانع الدولة وتوقفها. أمام هذا المنعطف التاريخي الصعب، اتخذ والدي قراراً شجاعاً بالعودة إلى مسقط رأسه في "خَلّة".
وفي تلك المرحلة الانتقالية، قام بتقديم طلب إلى الخدمة المدنية في لحج للعمل في التربية بمحافظة الضالع، حظي والدي بدعم ومساندة من جدّي الأستاذ محمد عبد المجيد العمري -رحمه الله-، لتسهيل انتقال والدي إلى سلك التربية والتعليم، تمت الموافقة على تعيينه بالتربية في الضالع ليعود إلى بلاده حاملاً مشعل العلم.
ثانياً: أستاذ الأجيال (ديسمبر 1994م)
في الأول من ديسمبر عام 1994م، بدأ والدي مسيرته التربوية معلماً لمادة الأحياء في "ثانوية خَلّة" بمديرية الحصين. ولأن والدي خريج كلية الزراعة العريقة ومتمكن من أدواته العلمية، فقد برز سريعاً كواحد من أبرز معلمي المادة؛ فقد كان يشرح للطلاب علم الأحياء ممزوجاً بالخبرة العملية والهندسة الزراعية، فنال إعجاب طلابه وزملائه على حد سواء.
ثالثاً: في كنف الأبوة الحانية (دفء البيت والتربية الصالحة)
وفي غمرة هذا العطاء التربوي، كنت الفرحة الكبرى التي زفتها الأيام لوالدي؛ حيث ولدتُ أنا (ابنه البكر) في عام 1996م، لتبدأ معها أجمل ذكريات العمر. لطالما كان ولازال والدي بالاشتراك مع والدتي الغالية، يمثلون لنا واحة من الهدوء والطيبة داخل البيت. هادئاً، حنوناً، يضحك معنا ويبسطنا، وطوال حياتي لا أذكر قط أنه مد يده عليّ أو ضربني، بل كانت تربيته لنا مبنية على الاحترام والحب والاحتواء. وتتابعت البركة في بيتنا، فرزق والدي بأخي "مثنى" في عام 2002م ثم أختي في عام 2004م وأختي الصغرى في عام 2008م ليربيهم جميعاً أحسن تربية على القيم والدين والأخلاق.
رابعاً: بيت العمر وكفاح السنين (2002م – 2004م)
كنا نسكن أول الأمر في بيتنا "الدار القديم"، ولكن والدي كان يطمح لتأمين بيت أوسع ومستقبل أفضل لنا. وفي حدود عام 2002م، بدأ والدي في بناء بيتنا الجديد. خطوة بخطوة على مدى سنتين، يوازن فيهما بين راتبه المتواضع كمعلم، وبين عرق جبينه؛ حيث كان لوالدي (حايط) الأرض المزروع بالقات الذي يملكه والدي دور كبير وسند مالي ساعده في إتمام بناء البيت، حتى دخلناه بفضل الله وفرحنا به في عام 2004م.
خامساً: التدرج القيادي والتربوي (من الوكيل إلى المدير)
لم تكن أمانة والدي وانضباطه لتمر دون تقدير؛ فنظراً لصدقه المعهود وكفاءته الإدارية، تم تعيينه في 17 سبتمبر 2002م وكيلاً لثانوية خَلّة. ولم تمر سوى سنوات قليلة حتى نال الثقة الكاملة ليتم تنصيبه ( مديراً لثانوية خَلّة في 22 مايو 2005م. )
وهنا كانت المفارقة الجميلة والذكريات الفخرية التي لا تمحى؛ فقد كان والدي هو "المدير والمدرس" لي ولإخواني عندما وصلنا إلى مرحلة الثانوية. كنا نرى فيه الأستاذ المنضبط والمدير الصارم الحازم في عمله، والأب الحنون المتواضع الذي يحبه الجميع خارج أسوار المدرسة.
سادساً: رائد العمل المجتمعي والخيري في خَلّة
لم يتوقف عطاء الوالد عند أسوار المدرسة، بل كان ركيزة أساسية من ركائز الخير والوجاهة في المنطقة، وتجلت بصماته في محطات واضحة:
( عام 1998م ): تم اختياره وتعيينه أميناً عاماً للجمعية الخيرية في خَلّة (في 14 ديسمبر 1998م)، ليبدأ مسيرة رسمية في مساعدة المحتاجين وإصلاح ذات البين.
( عام 2009م ): تولى رئاسة اللجنة المجتمعية لإنجاز مشروع حيوي وهام، وهو مشروع بناء مدرسة ثانوية أحمد أبو بكر المفلحي الجديدة في خَلّة، وهو صرح علمي يدين لوالدي بجهوده الإشرافية والمجتمعية.
( عام 2019م ): نزل إلى الميدان كعادته لخدمة الناس في أساسيات حياتهم، فتولى رئاسة اللجنة المجتمعية لمشروع بناء خزانات مياه الشرب في المنطقة، ليروي بجهده عطش الأهالي.
( عام 2020م ): وتتويجاً لثقة الناس فيه، تم انتخابه رئيساً لجمعية أبناء خَلّة الاجتماعية الخيرية.
الأمانة في العمل الإغَاثي والإنساني:
ولم يقتصر عطاؤه المجتمعي على المشاريع الإنشائية والتنموية فقط؛ بل كان ملجأً وملاذاً في أوقات الأزمات، حيث تولى بحسٍّ إنساني رفيع ومسؤولية عالية عملية حصر وتسجيل المستفيدين والأسر الأشد فقراً واحتياجاً، والإشراف المباشر والميداني على توزيع المساعدات الإنسانية والإغاثية المقدمة من المنظمات الدولية ورجال الخير، حرصاً منه على أن تصل كل أمانة إلى مستحقيها بكل عدالة وبشاشة ونزاهة.
سابعاً: عطاء مستمر وجولات لا تنتهي
إلى جانب كل هذه المسؤوليات، كان والدي وما زال شعلة نشاط لا تنطفئ؛ فله مشاركات رائدة في رئاسة اللجان المنظمة للمسابقات الثقافية والرمضانية السنوية بالمنطقة، وحضور بارز ودائم في الدورات التربوية والثقافية والعلمية التي تقيمها إدارة التربية والتعليم في مديرية الحصين ومحافظة الضالع.
وحتى يومنا هذا، لا يزال والدي -حفظه الله- بذات العزيمة والنشاط، يشارك في كل محفل، ويقود مبادرات الخير، مستمراً في عطائه ومحبته لمجتمعه، تاركاً في كل شبر من أرض "خَلّة" والضالع أثراً طيباً وذكراً عاطراً يسير بين الناس.
ثامنا: الواجب الوطني والموقف الشجاع: الحراك الجنوبي السلمي
لم يكن أبي مَعزِلٍ عن آلام مجتمعه وطموحات أهله، بل كان دائماً في قلب الحراك الشعبي والوطني. ومع انطلاق "الحراك الجنوبي السلمي"، سجل حضوراً وثائقياً وموقفاً شجاعاً، حيث شارك بفعالية في المسيرات والمهرجانات السلمية، داعماً لمطالب وطنه ومجتمعه بكل إيمان وثبات، مكملاً بذلك دوره التربوي والاجتماعي في التعبير عن قضايا وطنه وأبناء منطقته بكل حكمة ومسؤولية.
تاسعا: اعتلاء المنبر خطابة الجمعة في مسجد عثمان بن عفان(المقبابة):
إلى جانب عطائه التربوي والاجتماعي، كان للأستاذ حيدرة نصيبٌ مبارك من العطاء الروحي والديني؛ حيث تولى الخطابة لفترة من الزمن في "مسجد عثمان بن عفان" في المنطقة. وكان يقف على المنبر ناصحاً وموجّهاً، يجمع في خطبه بين العلم والتذكير الخالص، وأسلوب التوعية التربوية التي تلامس واقع الناس وتصل إلى قلوبهم بصدق وبساطة.
ملحق التكريمات وسجل التقدير:
تتويجاً لمسيرة حافلة بالعطاء والإخلاص في مجالات التربية والتعليم والعمل الزراعي والمجتمعي، حَظِي الأستاذ القدير حيدرة مثنى صالح محرم بالعديد من الشهادات التقديرية ودروع التكريم من مختلف الجهات والمؤسسات والجمعيات؛ وهي تكريمات تُعبّر عن مدى امتنان المجتمع والجهات الرسمية والأهلية لرجلٍ وهب جلّ حياته لخدمة وطنه وأبناء منطقته بكل أمانة واقتدار.
الفصل الخامس: ملامح من روح القدوة (الأب، والموجّه، والإنسان)
"الأمور طيبة": فلسفة الهدوء والحكمة
والدي ليس مجرد مربٍّ في المدرسة، بل مدرسة قائمة بذاتها في بيتنا. أذكر له، خصلة فريدة تبث في قلوبنا الطمأنينة؛ فكلما واجهتنا مشكلة. يبتسم بهدوء ويقول كلمته الشهيرة : "الأمور طيبة". يحل أصعب الأمور وأعقد المشاكل ببرود أعصاب وحكمة بالغة، دون صراخ أو تشنج، فتعلمنا منه أن الشجاعة والحنكة تكمن في الهدوء عند العواصف.
طقوس البكور وعشق المشي
يبدأ يوم والدي ببركة الفجر؛ فمن عاداته الأصيلة التي لم يغيرها قط، الاستيقاظ الباكر مع آذان الفجر، فيصلي فرضه، ثم يجلس ليحتسي (قلص الشاهي) من يد أمي الدافئ في هدوء الصباح. وفي أيام التدريس والإدارة، يتجهز ويكون أول من يبكر إلى المدرسة، يسبق الوقت ليكون قدوة لطلابه ومعلميه. ومما يُميز شخصيته ونشاطه، حبه الكبير للمشي؛ فهو رجل يقطع المسافات مشياً على الأقدام، مستمتعاً بنقاء الصباح وبساطة الريف.
الشغف بالعلم وحب المطالعة:
لم يقف شغفه بالمعرفة عند حدود متطلبات التدريس أو التخصص العلمي فحسب؛ بل كان ولا يزال قارئاً نَهِمًا ومطالعاً شغوفاً بالكتب والمجلّدات في مختلف العلوم والثقافات. هذا الحب العميق للكتاب رَسَّخ لديه سعة الأفق وجعل منه مرجعاً فكرياً وثقافياً يصوّغ رؤاه بوعيٍ وحكمة في مختلف مجالس العلم والنقاش.
رائد صلة الأرحام:
من أعظم الدروس العملية التي تشربناها من والدي ومن أعمامي الأفاضل، هي صلة الأرحام. لم يقصر والدي يوماً في السؤال وزيارة أهله وأقاربه، يخص أخواته (عماتنا) ببرٍّ خاص وصلة دؤوبة ترفع الرأس. كنا ولازلنا نرى فيه وفي أعمامي نموذجاً حياً للترابط الأسري، يعلموننا دائماً كيف يكون الأخ سنداً لأخيه ولأخواته.
المشاركة في الأفراح والمواساة في الأتراح:
يجسد الوالد معنى التلاحم الاجتماعي؛ فهو حريصٌ كل الحرص على مشاركة الناس في جميع أحوالهم. فلا تقام مناسبة فرح إلا وتجده في مقدمة المهنئين والمشاركين بابتسامته البشوشة، ولا يقع عزاء في المنطقة إلا ويكون أول الحاضرين لتقديم التعازي ومواساة أهل الميت وتخفيف مصابهم بالكلمة الطيبة والدعاء الصادق، مما جعل له مكانة عزيزة وخاصة في قلب كل من عرفه
الخاتمة:( كلمات وفاء من الأبناء إلى منبع العطاء والقدوة )
الحمد لله الذي وهبنا أباً كوالدنا، وصاحب سيرة كأبينا، وأماً حنوناً كوالدتنا.
إلى الوالد الغالي والأستاذ القدير.. حيدرة مثنى صالح محرم، وإلى شريكة العمر وريحانة البيت، والدتنا العزيزة الغالية.. بنت الأستاذ محمد عبد المجيد العمري.
نقف اليوم أنا وإخواني جميعاً، بقلوب تملؤها مشاعر الفخر العارم، والامتنان الذي لا تسعه الكلمات، أمام قاماتكم الشامخة. لقد بحثنا في قواميس اللغة عن كلمات تفيكما حقكما، فوجدنا أن أعظم ما نمتلكه هو هذا الإرث الطيب، والتربية الصالحة، والاسم النقي الذي تشرق به وجوهنا أينما حللنا.
شكراً لك يا أبي لأنك لم تضربنا يوماً، بل احتويتنا بحلمك، وعلمتنا كيف نبتسم في وجه الصعاب ونردد بلسان واثق: "الأمور طيبة".
وشكراً لكِ يا أمي الغالية، يا منبع الحنان والهدوء، لأنكِ كنتِ السند الحقيقي لأبي في رحلة كفاحه، ولأنكِ بحنانكِ وطيبتكِ جعلتِ من بيتنا واحة من السعادة والضحك، وربيتِنا مع أبي أحسن تربية.
إنكما معاً صنعتما منا رجالاً وبناتٍ يحملون المبادئ والقيم. ونحن اليوم نعاهدكما أمام الله، أن نظل الأبناء البارين المطيعين، وأن نحافظ على هذا الغراس الطيب الذي زرعتموه فينا، ليرى الناس فينا أخلاقكما وعلمكما وتواضعكما.
دعاء من القلب:
"اللهم يا حي يا قيوم، يا مجيب الدعاء، احفظ لنا والدنا الغالي، وأمد في عمره على طاعتك ورضاك. اللهم البسه ثوب الصحة والعافية، واشفه وعافه، ولا ترنا فيه مكروهاً يبكينا. اللهم اجعل كل حرف علمه للناس، وكل خطوة مشاها في خدمة قريته وأهله، وكل عرق صبه في تربيتنا، نوراً يضيء له دربه، وبركة تسري في جسده وأيامه. اللهم اجعله قرير العين بنا، واجمعنا به دائماً على خير ومحبة في الدنيا والآخرة.. آمين."
<
📖 ولم تنتهِ الحكاية بعد...
إن هذه الصفحات التي طويناها لم تكن إلا فصلاً من كتاب كفاح وعطاء لا يزال يتدفق. ولأن الوالد الغالي -حفظه الله ورعاه لايزال بحيويته ونشاطه، شعلةً من النشاط ومصدراً للأمان وبث الخير في "الفِجْوَر" وخَلّة، فإن قصص الأيام المقبلة بإذن الله لا زالت تُكتب بمداد من النور...
لذلك.. فالقصة مستمرة، ولسيرته العطرة بقية...
يُتْبَعْ