الذكاء الاصطناعي وبندقية "الكلاشنكوف" الرقمية: عندما يستوي الغث والسمين!
يأخذنا العصر الرقمي المتسارع اليوم إلى منعطف فكري وأخلاقي لم نعهد له مثيلاً من قبل؛ منعطف تلاشت فيه...
كتب/ د. أحمد علي البيتي
مدير عام معهد التدريب والتأهيل بوزارة التربية والتعليم - باحث دكتوراه
في زمنٍ بات فيه بعض الأطباء يميلون إلى تهوين الأمراض ومجاملة المرضى على حساب الحقائق الطبية، تبرز في عاصمتنا عدن نماذج طبية مشرفة تدرك عِظم الأمانة، وتتعامل مع مهنة الطب كرسالة لإنقاذ الحياة والنظر، لا كمجرد وظيفة عابرة.
ومن واقع تجربة ومعايشة، أجد لزاماً عليّ كمسؤول وتربوي وباحث أن أسلّط الضوء على نموذج استثنائي يحتذى به في الأمانة الطبية والمهنية العالية، وهي الدكتورة منى محمد سعيد، أخصائية طب وجراحة العيون بمستشفى رؤية للبصريات، والتي قدمت درساً حقيقياً في التوفيق بين الإنسانية الأخلاقية والحزم المهني في التعامل مع واحد من أخطر أمراض العيون: مرض ضغظ العين (الجلوكوما).
الجلوكوما.. "سارق النظر" الذي لا يرحم المتهاونين
إن خطورة مرض ضغط العين تكمن في كونه يُعرف عالمياً بـ "سارق النظر"؛ فهو يتسلل إلى عيني المريض ببطء وبدون ألم في مراحله الأولى، ويمتص البصر بالتدريج. وهنا تكمن الصدمة الحقيقية التي يجب أن يعيها المجتمع بالكامل: أن ما يذهب من البصر نتيجة هذا المرض لا يمكن استرداده أبداً، وكل ما يملكه الطب هو الحفاظ على ما تبقى من البصر عبر الالتزام الصارم واليومي بالقطرات والأدوية.
للأسف، يقع الكثير من الأطباء في فخ "التهوين" المفرط، مما يجعل المريض يطمئن بشكل زائف ويتراخى في أخذ علاجه، لتكون النتيجة الحتمية هي العمى التام—لا قدر الله.
الدكتورة منى محمد سعيد.. الصراحة التي تنقذ البصر
تميزت الدكتورة منى محمد سعيد بأسلوب طبي وفريد؛ فهي من جهةٍ تقابل المريض بابتسامة دافئة، وكلام طيب، وتطمين أخلاقي ونفسي يخفف عنه وطأة المرض. ولكن، عندما يحين وقت الحديث عن الحالة الصحية ومستقبل بصر المريض، تخلع الدكتورة عباءة المجاملة وتتحدث بكل صراحة وحزم.
فهي لا تهون الأمر، بل تصدم مريض الجلوكوما وتخوفه من عواقب الإهمال بكل واقعية ومسؤولية، لكي تبث فيه روح المبادرة، وتدفعه لعدم التهاون إطلاقاً في أخذ قطراته بانتظام. هذه "الصدمة الإيجابية الصادقة" هي التي تجعل المريض يستشعر الخطر، ويغير روتينه اليومي وجدول حياته ليلتزم بالعلاج، فيحفظ—بفضل الله ثم بفضل هذا الحزم—ما تبقى له من نور البصر.
من هنا، ومن خلال هذه المنبر الإخباري، نتوجه بالشكر والامتنان والعرفان بالجميل للدكتورة الفاضلة منى بمستشفى رؤية، على تشخيصها الواقعي الحقيقي، وأخلاقها الرفيعة، ومهنيتها العالية في العمل، ممتنين لها حرصها وخوفها على أبصار أبناء هذه المدينة.
كما نوجّه عبر هذا المقال نداءً إلى مجتمع الأطباء في عدن وخارجها، بأن يحتذوا بهذا النهج الصادق؛ فالطبيب ليس مسكناً مؤقتاً، بل هو منارة وعي، ومواجهة المريض بحقيقة مرضه بدقة وحزم هي أسمى درجات الرحمة والأمانة الطبية.
حفظ الله أبصار الجميع، وجزى الله الدكتورة منى خير الجزاء على كل ما تقدمه للمرضى، ونسأل الله التوفيق والسداد للجميع في خدمة هذا الوطن.