الجريمة التي كشفت أزمة إدارة عدن

ما فجّر الغضب في عدن بعد القضية الأخيرة لم يكن فقط بشاعة ما حدث، بل الشعور العميق بأن المدينة تُدفع منذ سنوات بعيداً عن طبيعتها الحقيقية، وبأن هناك فجوة تتسع بين عدن التي يعرفها أهلها، وعدن التي تُدار اليوم بأدوات لا تشبهها ولا تشبه تاريخها ولا ثقافتها المدنية.
عدن ليست مدينة طارئة في التاريخ حتى تُدار بعقلية الارتجال أو بمنطق النفوذ والغلبة. هذه المدينة عرفت النظام قبل كثير من المدن، وعرفت مؤسسات الدولة، والتنوع، والانفتاح، والحياة المدنية التي جعلت منها نموذجاً مختلفاً داخل اليمن والمنطقة. ولهذا فإن أي خلل أمني أو أخلاقي أو إداري فيها لا يُنظر إليه كحادثة عابرة، بل كجرح يمس هوية المدينة نفسها.
القضية الأخيرة كانت لحظة صادمة لأنها عرّت حجم الاختلال المتراكم داخل منظومة إدارة الشأن العام، وخصوصاً في الجانب الأمني. الناس لم تعد غاضبة فقط من الجريمة، بل من البيئة التي سمحت بحدوثها، ومن حالة التسيب وغياب المراجعة والمحاسبة، ومن استمرار إدارة مدينة بحجم عدن بعقلية لا تؤمن بالمؤسسة بقدر ما تؤمن بمراكز النفوذ والترضيات والتوازنات المؤقتة.
وهنا يجب أن يكون الحديث واضحاً:
عدن لا يمكن أن تستعيد عافيتها وهي تُدار بأدوات لا تنتمي إلى روحها المدنية. لا يمكن لمدينة قامت على النظام والقانون أن تُحكم بعقلية الفوضى وردود الأفعال. ولا يمكن لمجتمع متنوع ومنفتح أن يشعر بالأمان في ظل إدارة أمنية مرتبكة، متضاربة، تغيب عنها المهنية ويطغى عليها الطابع الشخصي والسياسي.
لقد آن الأوان لفتح نقاش جاد ومسؤول حول طبيعة الإدارة التي تحتاجها عدن، بعيداً عن المزايدات والشعارات. فالمدينة لا تحتاج مزيداً من الاستعراض، بل تحتاج مشروعاً حقيقياً يعيد بناء مؤسساتها الأمنية والإدارية على أسس مهنية ومدنية تحترم خصوصيتها وتاريخها.
ومن حق أبناء عدن اليوم أن يطالبوا بأن يكون لهم الدور الحقيقي في إدارة مدينتهم، ليس بمنطق الإقصاء أو المناطقية، بل بمنطق المعرفة بطبيعة هذه المدينة وفهم تعقيداتها الاجتماعية والثقافية. لأن من عاش عدن وتشكل بوعيها المدني يدرك أن الأمن فيها لا يُبنى بالخوف، بل بالثقة، ولا يُفرض بالقوة وحدها، بل بالقانون وهيبة المؤسسات.
كما أن القضية الأخيرة يجب أن تكون نقطة تحول لا مجرد عاصفة إعلامية مؤقتة. المطلوب ليس فقط التحقيق والمحاسبة، بل مراجعة شاملة:
كيف تُدار الأجهزة الأمنية؟
كيف يتم اختيار القيادات؟
أين دور الرقابة والمساءلة؟
لماذا تتكرر الأخطاء دون تصحيح؟
ولماذا تُقدَّم الحسابات السياسية أحياناً على مصلحة المجتمع؟
عدن اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. فإما أن تتحول هذه الصدمة إلى بداية إصلاح يعيد للمدينة وجهها المدني وهيبة مؤسساتها، أو يستمر النزيف حتى تفقد المدينة ما تبقى من صورتها التي أحبها الناس وعرفوها عبر التاريخ.
إن إنقاذ عدن لا يكون بالدفاع الأعمى عن الأخطاء، ولا بالتستر على الفشل، ولا بتحويل كل نقد إلى معركة سياسية، بل بالاعتراف أن المدينة تستحق إدارة أفضل، وأمناً أكثر مهنية، ومؤسسات أقرب إلى روحها وتاريخها وهويتها المدنية العريقة
احمد حميدان

مقالات الكاتب

الحجر الصحي في الغربة

يتكبد اليمني أوجاع الغربة والبعد عن الأرض والأهل مجبورا، بحثا عن ما يفتقده في وطنه الأم، يغترب من اج...