حين ينام القانون... يستيقظ الفساد
اسامة الاصبحي
ليست المشكلة في وجود الفساد، فكل دول العالم تواجهه بدرجات متفاوتة، وإنما الكارثة الحقيقية أن يتحول ا...
ليست المشكلة في وجود الفساد، فكل دول العالم تواجهه بدرجات متفاوتة، وإنما الكارثة الحقيقية أن يتحول الفساد إلى واقع مألوف، وأن يصبح الإفلات من العقاب هو القاعدة، بينما تبقى العدالة مجرد شعار يُرفع في المناسبات.
حين يُنهب المال العام، وتُهدر ثروات الوطن، وتُسلب حقوق المواطنين، ثم لا يقف مسؤول واحد أمام منصة القضاء، فإن السؤال لم يعد: أين الفساد؟ بل أصبح: أين الدولة؟ وأين هيبة القانون؟
إن أخطر ما يقتل الأوطان ليس الفقر، ولا الحروب، ولا الأزمات الاقتصادية، وإنما غياب المحاسبة. فالفساد الذي لا يُعاقَب يتكاثر، ويتحول إلى ثقافة، ثم إلى نظام يلتهم مؤسسات الدولة من الداخل حتى تصبح عاجزة عن أداء أبسط واجباتها.
لا قيمة لأي تشريع إذا بقي حبرا على ورق، ولا معنى لوجود أجهزة رقابية إذا كانت تقاريرها تُدفن في الأدراج، ولا هيبة لقضاء يخشى الوصول إلى كبار الفاسدين قبل صغارهم. فالعدالة لا تُقاس بعدد القوانين، وإنما بقدرتها على ملاحقة كل من يعتدي على حق الشعب، دون استثناء أو حصانة أو نفوذ.
إن استقلال القضاء ليس امتيازا للقضاة، بل هو الضمانة الوحيدة لحماية الوطن. فالقاضي الذي يحكم بضمير حر، ويحمل القانون بيد لا ترتجف أمام أصحاب السلطة والنفوذ، هو السد الأخير في مواجهة انهيار الدولة.
لقد دفع المواطن ثمن الفساد من لقمة عيشه، ومن تعليمه، ومن صحته، ومن أمنه، ومن مستقبله. وما لم تبدأ معركة حقيقية لاسترداد الأموال المنهوبة ومحاسبة كل من خان الأمانة، فإن الحديث عن الإصلاح سيظل مجرد كلمات جميلة لا تغيّر واقعا مريرا.
إن الدول لا تنهض بالخطب، بل بسيادة القانون. ولا تُبنى بالوعود، بل بالمساءلة. ولا تُحترم إلا عندما يعلم كل مسؤول أن المنصب ليس درعا يحميه من العدالة، وإنما مسؤولية تضاعف حجم المحاسبة.
إن المعركة ضد الفساد ليست معركة سياسية، بل معركة أخلاقية وقانونية ووطنية، لأن الفساد لا يسرق الأموال فقط، بل يسرق أعمار الشعوب، ويقتل أحلام الشباب، ويقوّض ثقة الناس في مؤسساتهم.
سيبقى الوطن ينزف ما دام الفاسد آمنا، وسيبقى المواطن فاقدا للأمل ما دامت العدالة تتأخر. أما اليوم الذي يقف فيه الفاسد أيًّا كان اسمه أو منصبه أمام القضاء، فسيكون ذلك اليوم بداية استعادة الدولة لهيبتها، وبداية استعادة المواطن لثقته.
فالعدالة ليست شعار نرددها في كل مكان، إنها آخر ما تبقى لإنقاذ الأوطان، وإذا سقطت العدالة، فلن يبقى شيء يستحق أن يُسمى دولة.