من قلب العاصفة طهران ، وتشريح زمن الانكسار الإقليمي
حين تدخل المنطقة طورها الرمادي ، ذلك الحيز الملتبس بين العاصفة والسكون ، لا تعود السياسة فعلا آنيا ب...
حين تدخل المنطقة طورها الرمادي ، ذلك الحيز الملتبس بين العاصفة والسكون ، لا تعود السياسة فعلا آنيا بل تتحول إلى بنية طويلة النفس تُدار على مهل ، وتُكتب آثارها على أجساد الدول قبل خرائطها ، ففي مثل هذه الأزمنة لا تكون الأحداث وقائع معزولة بل أعراضا لتحولات أعمق ، وعلامات على تصدع خفي في المعنى قبل الجغرافيا ، وفي السلطة قبل الدولة
ان ما نشهده اليوم ليس اشتعال لحظة بل انكشاف زمن ، زمن تتداخل فيه الإرادات الكبرى مع هشاشة الكيانات فتغدو الدول أقل شبها بأوطان ، وأكثر قربا من مساحات اختبار ، حيث تقاس فيها قدرة النفوذ على الصبر ، وقدرة المجتمعات على الاحتمال ، وعند هذا المشهد تبرز إيران لا بوصفها فاعلا سياسيا فحسب بل كعقدة رمزية في صراع يتجاوزها ، صراع يبحث عن
إعادة ترتيب الشرق على صورة أكثر طواعية وأقل مقاومة
فأيران اليوم تقف في عين الدوامة ، دولة تستدعى أدوارها ثم تنزع عنها ،
حليفا حين تقتضي الضرورة ، وخصما حين يحين وقت الكلفة ، لكنها في جميع الأحوال تحولت إلى مركز توتر دائم ، وإلى مرآة تعكس اختلال التوازن الإقليمي بأكمله ، وما يحدث في شوارعها اليوم لا يمكن قراءته بوصفه هتافا أو تمردا بل بوصفه تراكم صمت طويل ، وانفجار معنى قبل أن يكون انفجار غضب
إن الاحتجاج هنا ليس فعلا بسيطا ، بل لحظة التقاء بين الداخل المنهك والخارج المتربص ، هو نتاج نخر بطيء في بنية السياسة ، غذته عزلة وضغط وتدخلات تعرف كيف تشعل دون أن تحترق ، صراع يقدم في صورته الظاهرة كحراك شعبي ، بينما تتحرك في عمقه شبكات مصالح لا تعترف بالشعوب إلا حين تصلح أدوات ، ولا ترى في الألم سوى وسيلة
فتبدو إيران هنا بوابة فلسفية قبل أن تكون جغرافية ، بوابة إذا ما انكسرت لم ينهر خلفها نظام سياسي واحد ، بل اهتزت شبكة كاملة من التوازنات
والعراق الأقرب في الجرح والتاريخ ، سيكون أول من يختبر الفراغ
هناك ، حيث اختلطت الدولة بالسلاح ، والشرعية بالقوة ، ستبدأ التشققات في الظهور ، وستبحث الولاءات عن معنى جديد وعن ظل بديل في فضاء لا يحتمل الاستقرار طويلا ، وحين يتسع الفراغ لا يدخل التاريخ متأخرا
فتظهر هنا الولايات المتحدة لا بوصفها فاعلا صاخبا ، بل كقوة تتقن الانتظار وتعود لا بشعار الإنقاذ بل بمنطق الإدارة ، حيث تضبط الفوضى ولا تلغى ،
وتدار الأزمات بدل حلها ، حضور يعيد إلى الذاكرة نماذج الوصاية الاولى ، حيث تحكم المسارات دون أن تمنح الشعوب حق اختيار الوجهة
ولا يتوقف هذا الارتداد عند العراق فقط ، فالصدى سيمتد إلى لبنان وسوريا واليمن وصولا حتى الخليج ، كتموج بطيء لكنه متراكم ، يعيد فتح الشقوق القديمة ويوسع هوامش الهشاشة ، وفي قلب هذا التفكك المتدرج ، يقف المستفيد الصامت الاكبر " إسرائيل " التي لا تصنع الفوضى بيدها بل تنتظر اكتمالها ، وتتحرك فقط حين تصبح الطرق ممهدة والمقاومة منهكة والخرائط قابلة لإعادة الرسم ، أما الداخل الإيراني ، فإن استمرار استنزافه قد يقوده إلى أخطر أشكال العنف " العنف الطويل" ، حيث لا حرب فاصلة ولا سلام ممكن بل نزيف بطيء يستهلك الدولة والمجتمع معا ، حرب أهلية لا تعلن لكنها تعاش وتتعدد فيها القوى وتتشابك التدخلات وتستدعى الهويات والأقليات إلى واجهة الخطر ، فيما يهتز الاقتصاد العالمي من الجانب الاخر وتضطرب أسواق الطاقة ويغدو " مضيق هرمز " رمزا لهشاشة النظام العالمي أكثر من كونه مجرد ممر مائي ، ويصبح أمام هذا كله التوقف ضرورة فكرية لا ترفا سياسيا ، فالمسألة هنا ليست صراع نظام وشعب ، ولا نزاع نفوذ عابر ، بل لحظة مفصلية في تاريخ الإقليم ، تكتب بعقلية الهيمنة وتدار بلغة المصالح الباردة ، حيث تتحول الجغرافيا إلى رقعة شطرنج ، وتختزل الشعوب إلى قطع قابلة للتضحية
إنها لحظة تستوجب قراءة ما بين السطور ، والإصغاء لما لا يقال جيدا ، لأن ما يصاغ في الظل غالبا ما يكون أعمق أثرا وأطول زمنا ، من كل ما يرفع في الضوء من شعارات وضجيج .
بقلم الشاعرة والكاتبة / دعاء هزاع الجابري