الاوزون / من غطرسة النفوذ الى وعي المسؤولية الدولية "
سردية صراع طويل بين الربح العابر وحق الارض في الحياة ، كيف اصلحت السياسة ما افسدته المصالح لم...
حين بدأ الإنسان يتأمل وجوده المشترك لم يكن يبحث عن سلطة يتسلط بها
بل عن معنى يحول دون انزلاق الجماعة إلى الفوضى ، فقد كانت السياسة في أصل فكرتها أشبه بمحاولة عقلانية لتهذيب القوة ووضع حدود للصراع ، وتحويل الاختلاف من لعنة مدمرة إلى نظام قابل للحياة
اي لم تولد من ضجيج الجماهير ، ولا من شهوة الغلبة بل من قلق فلسفي
عميق حول العدالة ، والمسؤولية ، وحدود الإنسان حين يمسك بزمام غيره
غير أن الأزمنة وهي تمضي بثقل تحولاتها ، كثيرا ما تفرغ المفاهيم من معانيها الأولى ، فتظل الأسماء قائمة فيما تتبدل الجواهر ، وهنا تصبح السياسة في ممارساتها المعاصرة ظلّا باهتا لفكرتها الأصلية ، وتغدو الحاجة ماسة إلى استعادة السؤال لا الاكتفاء بالإجابة ، وإلى مساءلة المعنى قبل محاسبة الفعل فمن دون هذا التأمل لا تعود السياسة فنا للتدبير بل مجرد صخب عابر في تاريخ لا يرحم الغافلين
فمنذ أن حاول الإنسان للمرة الأولى أن ينظم وجوده المشترك لم تكن السياسة نزوة عابرة ولا صراعا محضا على السلطة بل كانت استجابة عقلية لحاجة أعمق الا وهي : كيف يمكن للاختلاف أن يتحول إلى نظام ؟ وللقوة أن تضبط ! وللمصلحة أن تدار دون أن تفتك بالجماعة؟
ومن هنا ولدت السياسة بوصفها فن التوازن لا فن الغلبة ، وحكمة التدبير لا مهارة الخداع ، فالمصالح وإن بدت المحرك الخفي لكل فعل سياسي لم تترك يوما سائبة في الفلسفة الكلاسيكية بل أُحيطت بسياج من القيم والمرجعيات ، لأن المصلحة حين تنفصل عن العقل الأخلاقي تتحول من أداة بناء إلى وسيلة افتراس ، ولهذا لم ينظر الحكماء إلى السياسة باعتبارها تحقيقا لرغبة الفرد بل كمسؤولية ثقيلة تحمل باسم الجماعة ، وتمارس بوعي بأن البقية ليست وقودا لطموح عابر
لم تكن السياسة يوما في نظر العقل القديم ، لعبة ذكاء سريعة ، تحسم في جولة واحدة ، بل مسارا طويلا أشبه بالإبحار في بحر لا يكشف عمقه من النظرة الأولى ، بحر تتقاطع فيه التيارات ، وتضطرب أمواجه بتغير الأزمنة
ولا يبلغ شاطئ الأمان فيه إلا من امتلك فضيلتين أساسيتين وهما " الحكمة التي ترى البعيد ، والصبر الذي يحتمل ثقل الطريق " ، فالقوة مهما عظمت إن لم تقاد بعقل راشد تصبح عبئا على صاحبها قبل أن تكون خطرا على غيره
فلم تفهم السياسة يوما بوصفها خطابا موجها للجماهير أو صورة تصاغ للعرض ، بل كعلم تراكمي تبنى قواعده من تجارب الأمم ، وتهذبه الإخفاقات بقدر ما تصقله النجاحات ، فهي أكاديمية مفتوحة عبر التاريخ ، تعلم من يطرق أبوابها أن الاستقامة في النهج أثمن من السرعة في الإنجاز ، وأن بقاء الدولة لا يتحقق بالضجيج بل بترسيخ التوازن بين السلطة والعدل ، وبين القوة والمسؤولية
غير أن التحولات المعاصرة كشفت عن انزياح عميق في فهم السياسة ، حيث بات كثير مما يمارس باسمها أقرب إلى استعراض فج للقوة ، و إلى صراع عار من الرؤية ، وهنا تنفصل السياسة عن أصلها الفلسفي ، وتتحول من أداة تنظيم إلى ساحة عراك يقاس فيها النفوذ بعلو الصوت لا بعمق الفكرة ، وتختزل فيها الحكمة إلى مكاسب لحظية سرعان ما تستهلك ذاتها
إن القوة في الفلسفة السياسية لم تكن غاية في ذاتها بل وسيلة مشروطة بالغاية ، وحين تفرغ من بعدها العقلي والأخلاقي تصبح قوة بلا معنى قادرة على الهدم أكثر من البناء ، وعلى الإرباك أكثر من الاستقرار
ولهذا فإن العبث بالقوة لا يقل خطورة عن غيابها ، لأن كليهما يفضي إلى النتيجة ذاتها وهي " تآكل الدولة من الداخل "
ورغم هذا المشهد الملبد بالارتباك تبقى السياسة في أصلها العميق محاولة دائمة للبحث عن الطريق المستقيم وسط عالم متقلب ، فهي ليست فعلا لحظيا ولا رد فعل انفعالي بل رؤية بعيدة المدى ، تدرك أن بناء الأوطان لا يتم بالقفز على المراحل ، ولا بتجاهل المرجعيات ، بل بالالتزام بنهج لا يستباح مهما تغيرت الظروف
ولهذا فإن ما نشهده اليوم في كثير من صوره ، لا يمثل السياسة كما فهمها العقل الكلاسيكي ، بل هو انحراف عنها ، وعبث متنكر في ثوبها
سياسة فقدت صلتها بالحكمة ، فانفصلت عن غايتها الأولى في " صون الجماعة ، وتنظيم القوة ، وخدمة الإنسان " بوصفه غاية لا وسيلة .
بقلم الشاعرة والكاتبة / دعاء هزاع الجابري